أمنا اللاجئة السورية… والسيارة البلغارية

آه يا أمنا...

آه يا أمنا…

تلك المرأة تقع بين دخان الحطب الذي يقمر خبزها وحرارة النار والشمس التي تلسع بشرة وجهها، وهي ورضيعها الذي يتقلب على فخذها مرميون على شريط حدودي في مدرسة تغير عنوانها من اسم شهيد إلى عنوان لجوء بعيد…

أردت أن أضبط العدسة لأحيط بجغرافية معاناتها وحاولت توسيع فتحة العدسة، إلا أن الدمع ضرب ستاره على عيوني فتعسرت الرؤية وغابت خلف موج من الدخان…

الألم أحاط بها والأمل تيبس في عيونها كما تيبس الحطب الذي تلتهمه نارها… تقلب رغيف الخبز على وجه “الصاج” فيحمر فتلقيه في سلتها، ثم تعود لطفلها فتضع يدها على وجهه تقيه حرارة الشمس بعدما كانت يدها فوق جحيم النار…

على الشريط الحدودي بين سورية وتركيا تعد تلك المرأة الخبز؛ لتتقاسمه مع بشر نزحوا من بيوتهم إلى مدرسة بعيدة باردة أصبحت كشركة قابضة تصدر حاويات القهر والتشرد إلى كل موانئ العالم عبر صور الصحافة وبواخر البث الفضائي…

تلك المرأة اختزلت برغيف الخبز الذي تخطفه من فم النار والدخان معاناة عشرات بل مئات بل آلاف من الأشخاص المشردين، الذين ينتظرون دورهم في الإعلام لينهشهم الصحفيون بكلامهم وصورهم كتجارة مربحة قد تأتي لهؤلاء السوريين برغيف خبز من خليج أو محيط بعيد…

مئات الأمتار تفصل بين تلك المرأة السورية وسوريين آخرين لا يعرفون من المعاناة سوى الألم الحاصل نتيجة تغيير جو الرفاهية بين بلدين بعد خروجهم من سورية إلى تركيا!…

في الريحانية الحدودية وفي عدد من ساحاتها العامة يتجمع يومياً سوريون ليسوا كهؤلاء السوريين على الشريط الحدودي المقابل!… فكل ما يهم هؤلاء هو شراء سيارة آخر طراز قادمة من بلغارية عن طريق تجار سوريين أيضاً!… السيارات تلك تباع بأرخص الأثمان، فالسيارة الكورية موديل العام التي كانت تباع سابقاً قي سورية بـ 800 ألف ل.س تشتري اليوم من تلك البازارات البلغارية سيارتين من طراز مرسيدس!… ثم يدخلها التاجر للمشتري إلى الأراضي السورية وهناك يبرئ التاجر ذمته منها ويذهب المشتري بالسيارة يترفه بعيداً عن هموم الثورة وضرائب الحرية في المناطق المحررة!…

القاعدة التي تحكم عواطف المشتري لدى شرائه السيارة: “صرلنا 40 سنة وبيت الأسد ما خلونا نركب عرباية!… الله يخلينا الثورة”.

هل في عروق هؤلاء السوريين المشردين دم يختلف عن الذي يجري في عروق من يترفه بسيارات لفظتها أوربة لشعب مشغول بالثورة!… وهل تلك المرأة وعشرات الآلاف مثيلاتها خرجن من خدرهن لأجل أن يركب هؤلاء سيارات بعيداً عن رقابة آل الأسد!…

شخصياً لا ألقي كثيراً من اللوم على غير السوريين إن لم يساعدونا؛ فهؤلاء السوريون زبائن السيارات البلغارية أرسلوا بأسوأ رسالة عن حقيقة الشعب السوري المشغول بالثورة وحاجته للمساعدة!… ولسوء حظ السوريين أن أحد تلك البازارات قريبة على مدخل يستخدم عادة لإدخال المساعدات لمن هم في الداخل السوري! فمن يقدم المساعدة للسوريين يلمس مباشرة تلك المفارقة بين شخصين أحدهما يعارك الموت في المخيمات لأجل كرامته! والآخر يعارك الحياة من أجل ضرب آخر من الرفاهية…

أخوتنا السوريين في تلك البازارات ساعدونا بتأجيل شرائكم لسياراتكم أو استتروا في ذلك احتراماً لدم الشهداء، والأفضل أن تشتروا بثمن سياراتكم سيارات إسعاف لسوريين هم أخوتكم يموتون لأنهم يسعفون في عربات أو سيارات شحن…

 

محمد كناص

بواسطة muhamad kannass

إلى كل من يملك حذاء في هذا العالم

إلى كل من يمتلك حذاء في هذا العالم

إلى كل من يمتلك حذاء في هذا العالم

إلى كل من يمتلك حذاء في هذا العالم
إلى كل من يمتلك حذاء في هذا العالم

يُحكى أن غانـدي كان يجري بسرعة ليلحق بقطار… وقد بدأ القطار بالسير وحركته أخذت تزداد؛ إلا أن غاندي أخيراً بعد عدوه لمسافة طويلة استطاع أن يلتقط طرف باب القطار ويصعد! لكن، عند صعوده سقطت من قدمـه إحدى فردتي حذائه! فما كان منه إلا أن خلع الفردة الثانية وبسرعة رماها بجوار الفردة الأولى على سكة القطار!…

فتعجب أصدقاؤه والركاب من حوله!؟… وسألوه: ما حملك على ما فعلت؟!..
لماذا رميت فردة الحذاء الأخرى؟!.. فقال غاندي: أحببت للفقير الذي يجد الحذاء أن يجد الفردتين فيستطيع الانتفاع بهما!… فلو وجد فردة واحدة فلن تفيده، ولن أستفيد أنــا منها أيضاً…

كم غاندي لدينا في المخيمات على الحدود وفي الداخل التركي؟!… كم طفل خلع فردتي حذاءه وراح تاركاً خلفه منزله وأهله؟!… كم طفل الآن ترتجف قدميه الحافيتين لنستفيد من فردتي حذاءه الذي تركه لأجل الحرية ولأجلنا نحن؟!… كم طفل الآن يجري على أرض المخيم الباردة حافياً؟!…

في مخيمات اللجوء أطفال سورية تحنت أقدامهم بطين الشتاء البارد… تحنت بطين الزيتون الذي احتضن خيامهم… في مخيمات اللجوء كثير من أطفال سورية استطاع أن يقنع نفسه بكيس أسعفه به الحظ أو الصدفة على مقلب مهملات ليضعه في قدميه كحذاء يحلم بامتلاكه يوماً في سورية الحرية…

أيها العالم أطفال سورية الذين تتجمد أقدامهم الآن لفقدهم أحذيتهم أو عدم امتلاكهم إياها خطيئة تتحمل أمانتها… ونحن السوريون أمام مسؤولية تركها على عاتقنا ذاك الطفل المبعد لحظة أطلق قدميه للهواء لالتقاط قطار الحرية ولحظة سقط حذاءه وراءه على عتبة منزله الذي هدمه له ذاك الديكتاتور المجرم…

إلى كل من يملك حذاء في هذا العالم أرجوكم ساعدوا أطفال سورية في المخيمات… إلى كل من يملك حذاء أو اثنين تخلى عن أحدهما لأجل أطفال الحرية في مخيمات اللجوء…

أطفال سورية في المخيميات يقولون نحن تركنا أحذيتنا وراءنا لأجل حرية كل السوريين لأجل حرية الوطن…

محمد كناص

بواسطة muhamad kannass

نمرة حذائي… وقياس خصري…

محمد كناص- زنزانة 18

محمد كناص- زنزانة 18

وضعت السلام الأخير على كتفي الأيسر في صلاة الجمعة بتاريخ 1-7-2011 وخرجت من المسجد ولساني يخلط كلمات الاستغفار بهتافات الحرية!…

إنها جمعة أطلق عليها السوريون “ارحل”… وهي ذاتها التي نمت يوم الخميس على رسم صورتها بعدما علمت أن أطول علم سيحمل غداً في مدينتي سراقب، وفيه ستختصر أصفار الـ 23 مليوناً لتعداد سكان سورية إلى 230 متراً.

ركبت موجة المظاهرة واقتربت أكثر من العلم وجذبت جانبه الأسود، ولأول مرة أشعر أني أحمل علم بلادي!… فاشتعلت حنجرتي بالهتاف: “يا بشار ويا جبان ويا عميل الأمريكان الشعب السوري ما بينهان ويلا ارحل يا بشار…”.

كان يوماً حاراً تناوب فيه هتاف المتظاهرين مع صوت الأغاني الوطنية في الإذاعة المحمولة، وكنت بين الفينة والأخرى اترك ضفة العلم السوداء وانتقل إلى الحمراء فأجذبه بقوة أكثر، وكنت ألقي بنظري خلفي فلا أجد نهايته، ثم انقل بصري إلى الأمام فتضيع علي بدايته، وحسبي في تلك اللحظات اكتشاف العلم من جديد وكأني لأول مرة أراه!…

لم أكن مهتماً لشكلي!… أصرخ وقد التصقت ثيابي بجسدي بفعل التعرق والماء الذي رشه الأهالي علينا من على أبواب وأسطحة منازلهم… وفي زقاق بارد رشقنا الأهالي بالأرز؛ فانحشرت إحدى حباته بين ثيابي وجسدي وبقيت تلسعني بظهري إلى أن عدت للبيت! وكانت الشيء الوحيد الذي أزعجني في ذاك المشهد…

انتهى بنا ذاك الزقاق خلف المحكمة في المدينة ثم لاح للمتظاهرين شعبة الحزب التي حُرقت في وقت سابق، ولم يبقى منها إلا الرائحة الكريهة لمحاضر الجلسات الحزبية المتفحمة، ولم يبقى للبعث ساعتها إلا بناء تجمع الفرق الحزبية لقضاء مدينة سراقب!… في تلك اللحظة لم أجد نفسي إلا وقد انعطفت مع مجموعة من الشبان يميناً نحو ذاك التجمع، وكان بيننا شخص اسمه “أنور الملقب بـ السجر” وقد اختفى بعدها في ظروف غامضة ولم يُسمع عنه خبر حتى اللحظة؛ فقام يخلع باب التجمع ودخل، وتبعته أنا من فوري!…

الأبواب الخشبية المهترئة لغرف التجمع لم تكن تحتاج جهداً بعدها حتى تمنعنا من الدخول!… فدخل أنور وحمل صورة بشار الأسد بإطارها الذهبي ورمامها أرضاً فكُسرت ثم التقط الصورة ومزقها!…

انعطفت أنا إلى إحدى الغرف ودخلتها فصعقت بما أخذتني إليه الذاكرة!… إنه المكتب نفسه الذي دخلت إليه يوماً بعد تخرجي من كلية الإعلام أشحد منه تصريحاً بأني حزبي!… وقد دفعت ثمنه آنذاك اشتراكات لست سنوات مضت قبل ذاك التاريخ؛ فأنا بحاجة له حتى أستطيع إكمال الأوراق المطلوبة للتعاقد مع جهة رسمية للعمل في مجال الإعلام!… وساعتها بدأ ذاك الرجل المنتفخ الجالس وراء الطاولة الحديدية على كرسي خشب يعنفني ويقول لي: لا تتذكرون أنكم أبناء الحزب العظيم إلا ساعة تحتاجونه! ألم تدركوا بعد أنكم لا شيء دون الحزب!… امتصصت غضبه ساعتها بكيلو “بــن” عندما لم يجد ما يكفيه في خزانته لتحضير فنجان قهوة… وأعطيته الرشوة ويده لم ترتجف مرة واحدة حين استلمها مني؛ فقلت له في نفسي “قلتلي حزب عظيم! وبكيلو “بـــن” اشتريتك إنتي وياه”…

ذاك الشريط التاريخي الذي مر كلمح البصر في مخيلتي؛ ألهب كل عرائزي الحيوانية فأعملت يداي وقدماي بمصنفات الحزب ومحاضره، فألتقط رزمة الورق فأسويها أربع قطع! وألتقط المصنف فأفصل بين دفتيه وأرميه لمن دخل معنا يدهسه بقدميه… إلى حين أُنهكت قواي وتعبت… عدت بعد انتهاء المظاهرة إلى البيت فأخذت حماماً ونمت.

5 شهور بعد ذلك، وتحديداً بتاريخ 3-1-2012 عند الساعة 8 و20 دقيقة مساء، وبعد مطاردات أمنية لي وجدت نفسي مرمياً في ممر ضيق بارد!… معصوب العينين ومكبل اليدين إلى خلف!… والصعق الكهربائي يفعل فعله بجسدي!… والبواريد تنهال على جسمي والركل يطال وجهي!…

سألني: من كان معك في التجمع عندما دخلتموه يا كلاب!… فقلت له لا أذكر إلا شخصاً واحداً! فقال لي: مين غيرو يا ابن… صار عدت اسمه مية مرة!… وقال: على كل أنا بعرف بس شوف إيميلك!… يلا ولاك ابن…هات إيميلك وكلمة السر؟… فقلت له الإيميل! فقال وكلمة السر ولاك؟ فقلت له: 43-43-42-42!… فقال لي: شو يعني هاي الأرقام ولاك ابن…! فقلت له: سيدي ولا شي، بس مشان ما أنسى كلمة المرور عملتها متل نمرة صباطي “43” وقياس خصري “42”!…

ضحك المحقق وقهقه وركلني على وجهني!… وقال: رح غيرلك هالقياسات كلها يا ابن…! ورح غيرك قياس لسانك كمان!…

لفترة مضت وأنا ملقى في زنزانة انفرادية؛ ناداني السجان وقال: “مشان تعرف إنتي وأمثالك شقد السيد الرئيس قلبو كبير.. يلا ولاك وسخ إخلاء سبيل!… صعقت! لكنها حقيقة!… خرجت من القصر العدلي بعدما استلمت هويتي الشخصية، وكوني على اعتقاد أنهم سيعدون اعتقالي ثانية، وأنهم فعلوا ذلك فقط ليصورونا أمام الإعلام! رحت أجري حافياً في الشارع بعدما أصبح حذائي عبئاً على قدماي فتركته بمكان التحقيق السابق، وأسرعت دون أن ألتفت خلفي ويدي على البيجاما التي كنت أرتديها حتى أثبتها على خصري الذي نحل وضاق، وركضت دون أن أعير الآلام أي اهتمام… ووقفت حافياً شاحب الوجه أصفر اللون بين أناس أنيقين تجمعوا عند أحد المواقف… اندسست بينهم رغم انزعاجهم من رائحتي الكريهة! انتظرت قدوم سيارة أجرة أقلتني بعدها إلى بيتي على دوار كفرسوسة… دخلت منزلي وأخذت حماماً ولم أنم ومن فوري إلى محافظة إدلب.

محمد كناص

بواسطة muhamad kannass

مدرسة مخيم أطمة

أطفال مخيم أطمة

الأطفال السوريون اللاجئون في مخيم أطمة على الحدود مع تركيا لم يكونوا يتوقعون يوماً أن الطائرات الورقية التي صنعوها كلعبة تشاركهم ساعات مرحهم في باحة المدرسة ستكون يوماً سبباً لنزوحهم ومأساتهم… فطالما تابعوها مبتسمين بعيونهم البرئية تطير على أكتاف نسمات ينتظرونها حتى تحملها إلى أبعد مدى! قد تحولت اليوم إلى حقيقة، وتطير إلى أبعد من جدران المدرسة بل إلى أطراف البلد جميعها، تنزع الابتسامة من الوجوه وتضع مكانها الألم والموت.

هم اليوم يدخلون إلى مدرستهم في المخيم المكونة من خيمة واحدة وصف واحد، يحملون ما جمعوه من رصاصات وبقايا براميل متفجرة بدل ألعابهم الورقية التي كانوا يصنعونها سابقاً، تلك البقايا جمعوها من مشهد الموت والدمار الذي جسد خراب منازلهم قبل الرحيل إلى مكان بارد بين بلدين أحدهم تنكر لمطالبهم وميلادهم وآخر تنكر لسوء حالهم.

أطفال مخيم أطمة يعرفون مدرستهم بشادرها المهترئ، وبابيها القماشيين الممزقين بفعل الريح… ليس لها اسم يدل على موقعة أو معركة في تاريخهم أو شهيد أو شخص عظيم خدم هذه الأمة، وليس فيها سبورة ولا طباشير ولا أقلام حبرية، وليس فيها جرس يعلن انتهاء الحصة أو بدء الفسحة بين الدرسين، لا يوجد فيها مناهج ولا كتب ولا دفاتر.

طلاب مدرسة المخيم في أطمة يدخلون إلى مدرستهم ساعة يشاؤون للقاء مدرسهم ومديرهم ومريبهم في آن واحد؛ ليستذكروا أساسيات اللغة، والعلوم والحساب من خلال ما تسعفهم به الذاكرة! وما أقل ذلك بعدما احتلت صور ومشاهد الرعب والدمار كل عواطفهم.

استطاع الشخص “المدرس، والمدير، والمربي” في مدرسة أطمة أن يعيد لأطفال المخيم شيئاً من أساسيات أي مدرسة في هذا العالم بعدما فقدوا كل شيء؛ ألا وهو مجموعة من المقاعد الدراسية نقلها له فاعل خير بعدما طرد الجيش الحر مرتزقة النظام من إحدى المدارس التي حولها إلى معتقل، فهم الآن ينعمون برائحة ذكريات محفورة على خشب تلك المقاعد، ويدفعون عن أنفسهم أذية الأتربة والغبار التي تحولت إلى طين بفعل أمطار الشتاء، إلا أنها لم تقيهم تسرب المياه من سقف الخيمة المهترئ.

أطفال مخيم أطمة لا يتعلمون شيئاً يذكر في المدرسة! إنما هي رمز وضعه ذلك الشخص في المخيم يستحث به ذاكرة الأطفال كي لا ينسوا حقهم في التعليم، وحتى يؤنسهم ويملأ عواطفهم بما فقدوه على مدار عامين من الثورة، منتظرين أن يأتي من يجعل مدرستهم حقيقة!…

رابط اللقاء مع مدير مدرسة مخيم أطمة:

محمد كناص

بواسطة muhamad kannass