هل كان لسورية عيد!…

هل كان لسورية حرية

هل كان لسورية حرية

لاحق صيادون ثلاثة ذئباً في إحدى الجبال؛ فاندس الذئب في مغارة ناجياً بنفسه من هلاك في معركة غير متكافئة!… تلك المغارة لم يكن لها سوى فتحة تتسع لدخول جسم بحجم الذئب أو لرأس إنسان!.

لم يجزع الصيادون بل جلسوا مختبئين وراء صخرة مواجهة للمغارة ينتظرون أن يبين لهم الذئب فيردوه قتيلاً بطلقات بنادقهم النارية!.

اختبأ الذئب في جوف المغارة والتزم الهدوء، وبدأ يلعب مع الصيادين لعبة الملل!… فإما يمل الصيادون ويعودون أدراجهم أو يمل الذئب فيخرج ويُقتل!…

فقد أحد الصيادين الثلاثة صبره وتوترت أعصابه؛ فترك مكانه واتجه يلتمس خبر الذئب في المغارة! فدس رأسه في الفتحة!… إلا أن الصياد بدا لأصحابه هادئاً أكثر من الذئب في فم المغارة!… فانتظروه أن يتحرك إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث! فصاحبهم لوقت مضى وهو ملقي بقفاه لأصحابه ورأسه كأنما الجبل ابتلعه، وهو لا يسحب رأسه ولا يتقدم مليماً واحداً!…

هرع الصيادان إلى مكان صحابهما فوكزاه فوجداه من دون رأس!… فتعجبا من أمر زميلهما!… وأخذتهما الدهشة وبدأا يتحزران إن كان لصاحبهما رأساً! فقال الأول للثاني: أنا أجزم أنه لم يكن يملك رأساً فيما مضى! فأجابه الثاني: إننا ننهي المشكلة بسؤال زوجته إن كان لزوجها رأساً أم لا؟!…

حمل الصيادان الجثة ودخلا بها إلى القرية وأخبروا أهلها بما حصل، واجتمع بهم رجال وشيوخ وجميعهم لم يعرفوا إن كان لذلك الرجل رأساً في فيما مضى!… ذهب الجمع إلى بيت الزوجة في طرف القرية وسألوها إن كان لزوجها رأساً أم لا؟ فقالت الزوجة: لا أعرف!… ولكن كل ما أذكره أن زوجي في بداية كل عام كان يشتري قبعة جديدة!…

تلك الزوجة أنهت خلافاً جدلياً كاد يقض مضجع القرية للإجابة على ذاك السؤال؛ فهي لم تدخل معهم في النظريات والمسلمات حول تكوين الإنسان؛ إنما جعلت أفعال زوجها هي الفيصل حول تكوين أي شخص عندما أخبرتهم إنه كان يشتري قبعة في بداية كل عام!.

عندما اشتعلت الثورة في سورية وخرج الناس يهتفون للحرية؛ اختلف كثيرون حول حرية سورية وإن كان لها حق بذلك أم لا… فمنهم من بدأ يسأل عن ماهية الحرية… ومنهم من أخذ يشتم الحرية… بل بالغ البعض في إنكار شيء اسمه حرية…

إن أطفال درعا لما أدخلوا رؤوسهم إلى جحر المجرم بشار الأسد يطالبونه بالحرية؛ قام بخلع أظافرهم وقطع رؤوس نظرائهم كما فعل ذاك الذئب بالصياد، وأخذ بشار الأسد يتساءل كما الأغبياء أصدقاء الصياد هل يا ترى لسورية حق بالحرية! وهل كانت أصلاً حرة!… وراح بشار عند نظرائه من الذئاب في طهران وموسكو يستوضح بمزيد من الغباء عن حرية سورية!… فما أجابوه إلا بما أجاب الجمع في تلك القرية!… إلا أن أطفال درعا لم ينتظروا الإجابات التنظيرية ولا المسلمات التي يبنيها بشار عن الحرية، بل، كان جوابهم كما جواب الزوجة “بذكر الأفعال والقيام بها، والخروج للحرية بدل التنظير لها” فذهل العالم أيضاً، وأخذته الصعقة عن حرية سورية، وتخطفته الآراء عن حق سورية بالحرية، وهو حتى الآن ينظر إلى رؤوس السوريين تخطفها مخالب الذئب بشار في جغرافية الموت السورية التي لا تختلف عن مغارة ذاك الذئب في الجبل، ولا يستطيعون حتى اللحظة الإجابة عن سؤال هل لسورية والسوريين حق بالحرية!…

بل، حتى اللحظة أعياد أربعة تمر على سورية وأبناؤها لم يعايدهم أحد سواء من الزعماء أو الشعوب!… وكأنهم مختلفين حتى في هذه!… فهل كان لسورية عيد قبل اليوم!…

محمد كناص

Advertisements
بواسطة muhamad kannass

فرعون والأطفال

قاتل الأطفال

قاتل الأطفال

يسير خبباً وينظر إلى ساعة هاتفه يقدمه وضعها بانتباه خشية التعثر بحجارة الطريق الناتئة، حيث بدأ يشعر بلزوجة العرق في حذائه المتهرئ أثناء اندفاعه بين غابة الناس، يتوقف أمام منهل الماء ويستخدم كفه لشرب شربة، ثم يحث السير من جديد تحت ظل العرائش نهاية شارع القيمرية، يدفع باب المطعم يلقي التحية على زملائه ثم يصعد الطابق العلوي (التراس) بعد تثبيت اسمه في ورقة الدوام… لم يصل زميله في البوفيه بعد يحدث نفسه بقلق!…

نايف: تأخر رامي أرجوا أن يكون بخير!… لا… لا… قد يكن السبب التفتيش على الحواجز الأمنية….

يسرع بتجهيز البوفيه فيرتب أكواب الماء على يمينه في الرف السفلي، وأكواب العصير أمامه على بلاطة البار، وأما أكواب البيرة فيودعها البراد، ثم يملأ السخان بالماء ويوصل الكهرباء.. يفاجئه الكابتن سعيد!…

سعيد: ألم يصل رامي بعد؟

نايف: لا… لا

سعيد: كن حذراً لا أريد لأحد أن يفتح باب السطح ولا حتى أن يصعد أحد لأعلى…!

يهز نايف رأسه بالموافقة: كما تريد.. .

ينهي نايف ما بيده ثم يجلس قبالة النافذة المطلة على شارع القيمرية القديم يراقب المارة… يفتح نايف أحاديثاً طويلة مع رامي حول الدراسة وظروف العيش التي أجبرت كل منهما على العمل في هذا المجال، فالصحافة والمسرح كلاهما من الإعلام… وتدور أيضاً هذه الأحاديث أثناء استقبال طلبات الزبائن!…

سأله رامي بروحه المرحة عند قدومه إلى دمشق فاراً من ملاحقة الصحفيين والناشطين من قبل الأمن والأحزاب التابعة والمتعاملة معهم في القامشلي:

رامي: من أين أنت ؟ ماذا تعمل؟

نايف: صحفي من القامشلي

انفجر وقتها رامي في القهقهة!… وانتظر طويلاً سؤال نايف المعاكس؛ ولكن، لم يأت! فبادر رامي: أنا من رنكوس، أدرس المسرح، وعشت طفولتي في التضامن ثم انتقلت بعد زواجي إلى جوبر.

سأل نايف باهتمام : ولما جوبر وليس بالتضامن، لماذا؟

فهز رامي رأسه وأطلق تنهيدة عميقة تنبئ عن ألم عتيق.. .

رامي: درست فيها، وعشت طفولتي ولكن لم أحبها يوما!.

نايف: لما؟

فجدد تأففه وآهاته وشرع يفصل بإسهاب: أصبحت في الصف الثالث الابتدائي وبدأت أتباهى في الحي أني استطيع الكتابة والقراءة؛ فأقرأ اللافتات وأسعار الخضار في محلات الباعة وأسمائها، ولم يكن أحد يسلم من سخريتي وتهكمي ممن حولي، ولكن جسمي النحيل يجعلني عرضة لمطاردتهم وشتائمهم المقذعة، فلم أتورع عن إزعاجهم بالحركات والمقالب التي تفوق سني كثيراً، وعبثي هذا كان يشحذ فضولي أيضاً.

ففي تشرين الثاني من عام 1991 بدأت التحضيرات للاحتفال بانقلاب حافظ الأسد أو كما سماها الحركة التصحيحية، واسميها الحركة “التوسيخية” التي وسخت الحزب والدولة والمنطقة برمتها.

فاعتقدنا أنا وصديقي حيدر أن هذه الصور التي تزين الشوارع والمدرسة وحتى المساجد إنما هي صور الرب، لذا قررنا أن نتسلل إلى المدرسة عبر السور عقب الدوام ونأخذ صورة نزين بها المنزل ونباركه، وبالفعل أمسينا داخل المدرسة وما أن مد حيدر يده إلى إحدى الصور حتى سمعنا صوت الحارس يعوي ككلب أغنام:

ولاك… كلاب!

فأطلقت ساقاي للرياح وكذا فعل حيدر ونجحنا بالفرار!…

أدركت أن الحارس عرفنا وأنه سيخبر أهلي! فأضعت النهار في الحارات ألعب وألهو مع أترابي، وفي نهاية المطاف عادت بي ساقاي إلى باب المنزل وما أن وضعت قدمي في مدخل البناء؛ وإذا برجال الشرطة ينقضون علي كما ينقض الهر على فأر تجرأ عليه، وجروني، وضربوني، ولم أرى شيئا لشدة ما بكيت!… وناديت أخي سعيد؟!… إلا أني وجدته قد سبقني إلى قسم شرطة اليرموك، فأدخلوني إلى غرفة وشرعوا بضربي ورفسي وشتمي إلى سابع جد بأقذع الألفاظ، وهم يرفعون في وجهي صورة لربهم مُزقت إحدى زواياها العلوية…وقال لي أحدهم: يلعن أبوك كلب…

-فيجيبه الآخر: ابن الش ر م وط ة…

-يستفهم ثالث: هاد ربك ولاك؟!… كيف تشق صورة الله تبعك ولاك!…

شعرت أن خداي أصبحتا كتلتين، وفقدت القدرة على البكاء، و حتى عروقي جفت من الدماء، ولم أردد إلا كلمة لا تكاد تتضح من بكائي وورم فمي: مو أنا…مو أنا!…

وبعد الاحتفال المرعب بالحركة “التوسيخية” والقصائد التي ألقيت من قبل زبانية الرب السفاح فيها، وسخت ثيابي بالبول والغائط!… فشدني أحدهم إلى الخارج حيث كان أخي يتوسل ويقبل أيديهم ويكرر: ولد يا سيدي ولد صغير…ولد…

يجيب أحدهم: ولد وابن أبو حيدر كمان… ولد بس ما حدا يلقنه أفكار تكفيرية بتخليه يشق صورة الرب…

ولا يبرح أخي يردد: ولد يا سيدي…ولد…

يجيب الضابط: يلعن أبو هيك أولاد!…

بينما كان أخي يتوسل أن يحموني؛ انهال عليه الضابط بالسباب والشتائم البذيئة، ثم بدأ بتقليب صفحات كتاب كبير ويطلب من سعيد أن يبصم! وكلما قلب صفحة؛ وضع سعيد إصبعه الراعشة عليها وبصم، ثم أخرى… فأخرى حتى ظننت أن لانهاية لهذا الكتاب.

ارتميت في أحضان أخي فضمني كما لو كان يريد عصري، وأنا أنشج بالبكاء وسمعت آخر جملة من أحدهم يقول فيها: يلا خود كلبك وروح… انقلع!…

يقطع صوت الرصاص الكثيف أمام المدخل المطعم أفكار نايف، ويتردد بداية الأمر في النظر من النافذة وبعد قليل يهدأ صوت الرصاص الكثيف، فيسمع صوت مرافقة المعلم أبو هلالة :بسرعة… بسرعة… احملوه!… يتشجع، ويلقي نظرة فإذا رامي مسجى على حجارة الشارع السوداء غارق في بركة من الدماء!… وفي لحظة رفعت الجثة وغسل الشارع وغاب رامي، ولكن رائحة الدم مازالت عبقة!…

قصة واقعية لشاب من الحكسة

بواسطة muhamad kannass