ما يحتاجه السوريون… منظمات المجتمع المدني

نحو مجتمع متكافل

السلاح والكفن هو ما يلزم السوريين في الداخل!… لا بل، النقاش في غير ذلك من دعم يكون من باب مضيعة الوقت، وهي عبارة تكون الأقرب إلى خاطر أي مواطن هناك فيما لو سألته ماذا يمكن أن نقدم لكم لنجاح ثورتكم وحصولكم على الحرية!.

تجاوز تلك المسلمة المتعلقة بدعم الناس في داخل سورية؛ لا يعفي من الحديث عمن هم يعيشون في الخيام وبلدان اللجوء في الجوار السوري! فكما لدينا دماء تهدر في كل لحظة على تراب سورية؛ لدينا مجتمع يُنخر ويدمر في حياة الشتات! ما يعني أن رحيل الطاغية سيكون على أنقاض مؤسسات، وشعب جريح منهك من الدماء والحرب! هذا الشعب سيلتقي بجزئه الآخر القادم من حياة الخيام الذي لا يفضل مواطن الداخل بشيء سوى أنه كان تحت طائل الشرب والإطعام من خلال المساعدات كي لا يموت!.

نصل من ذلك إلى القول: إن عدم القدرة على إيصال الدعم الحقيقي للداخل (السلاح) وعدم القدرة على حفاظ الأرواح هناك؛ تستوجب الحفاظ على ما نقدر وما تبقى من مجتمعنا سليماً، وهذا يتواجد في المخيمات! وهنا أيضاً نلمس قصوراً في الدعم سواء على المستوى الدولي أو على المنظمات الدولية؛ فمعظم ما يقدم لهؤلاء السوريين يصب في خانة إبقائهم أحياء فقط!، وهذا ما نحتاج إليه، لكن، نريد أيضاً أن يعود هؤلاء إلى سورية أشخاصاً فاعلين، لم يتوقف نموهم على كل الصعد خلال عمر الثورة، ولم يتوقف عطاؤهم ولم يتوقف بناؤهم ولا تعليمهم ولا ثقافتهم! وهذا غير حاضر فلا حياة اجتماعية سوية، ولا حياة تربوية وصحية هناك، كذلك الأمر فيما يتعلق بالطفل والمرأة والأنشطة الأخرى… من هنا تبرز الحاجة إلى منظمات المجتمع المدني أو منظمات العمل التطوعي؛ لفاعلية تلك المنظمات في هذا الشأن ولتجاوز قصور وتخاذل الداعمين للسوريين، ولكونها أرشق وأكثر دينامية وأقل كلفة في عملية التنمية والبناء المجتمعي فيما لو أرادت جهات رسمية أن تقوم بذلك، فالروتين والبيروقراطية الدوليان قد يدعا أطفالنا السوريين في الملاجئ عامين آخرين من دون تدريس حتى ينضج قرار أممي بذلك عن طريق المنظمات المختصة.

ثقافة العمل التطوعي الخيري أو العمل المدني تبرز كحاجة في هذه الساعة للحفاظ على النمو الطبيعي للمجتمع السوري، وكحاجة مستقبلية كثقافة لدى السوريين الذين تم تغييبهم عنها خلال العقود الماضية؛ أي فترة حكم الديكتاتورية، فمن خلال تنظيم سلوك المجتمع وقولبته قانونياً داخل تلك المنظمات؛ نتجاوز ما زرعه النظام من آثار في الذاكرة الشعبية وأحقاد طائفية! فهي تكفل للجميع ممارسة حقه ونشاطه في إطار قانوني، كذلك تبعد شبابنا الذي هو الآن بحاجة لاستمرار تعليمه وتدريبه المنتهي بعمل مرضي عن الشذوذ السلوكي الذي نحن بغنى عنه بعد رحيل النظام، كذلك تحقيق التواصل الفعال بين مختلف طبقات المجتمع من خلال التبرعات التي يقدمها الأغنياء لتلك المنظمات، ما يعني بشكل أو بآخر إعادة توزيع للثروة في المجتمع.

ما يتواجد من منظمات مجتمع مدني في بلدان اللجوء بمعظمها غير سورية وإن وجدت فهي حالة ضعيفة وفردية؛ الأمر الذي يدعوا أصحاب المبادرة للالتقاء بالداعمين والانطلاق بهذه التجربة بقوة لبناء المجتمع السوري! وبذلك يكون قدر السوريين في الداخل أن يعتمدوا على أنفسهم في تأمين السلاح، وقدر السوريين في الخارج الاعتماد على أنفسهم في البقاء أحياء فاعلين بنائين؛ ولذلك استحقت الثورة السورية اسم الثورة الشعبية اليتيمة!.

 محمد كناص

بواسطة muhamad kannass

لعنة جواز السفر… أنا سوري

أنا سوري..!

أنا سوري..!

فتح جواز سفره على الصفحة التي تحمل رقم 3، وكتب بخط يده وبقلم حبري أزرق: “تم تجديد جواز سفر المدعو فلان الفلان، بتاريخه ولغاية 2016 ميلادية، وذلك بفرع الهجرة والجوازات في المحافظة المذكورة على صفحة بيانات حامل الوثيقة، التوقيع”… وقع ذاك الشاب وحمل الجواز وخرج مع زوجته قاصداً المطار ليخرج إلى بلد عربي ليلتقي هناك ببقية أهله!.

الموقف ذاك شهدت أحداثه والتقيت بصاحبه الذي تم اعتقاله من قبل الدرك التركي الذين أعادوه إلى المخيم بسبب حمله بطاقة سفر مزورة وتم التلاعب فيها، بعد عودة ذاك الشاب من المخيم أيضاً بطريقة التحايل؛ قلت له: ما فعلته أنت بجواز سفرك كان سلوكاً أحمقاً! ألا ترى أن خط يدك أشبه بخط شخص أمي! وهل يعقل أن يتم تجديد الجواز بهذه الطريقة الهزلية من قبل جهة رسمية! وهل يعقل أن تنطلي هذه الألعوبة السخيفة على الدرك التركي الذي يعرف الشاردة والواردة بهذه الأمور!… أجابني وفي عينيه حزن عميق! أعيش مخنوقاً هنا وزوجتي، كذلك لا أستطيع الرجوع إلى بلدي بسبب الجيش المتمركز قرب بيتي، ولا أستيطع البقاء هنا لأني لست قادراً على تحمل تكاليف الإقامة، كذلك أرغب بالإقامة مع أهلي الذين لم ألتقيهم منذ زمن بعيد، ولتعلم أني سأفعل أكثر من ذلك حتى أتمكن من لقاء عائلتي…

ذاك الشاب اليوم في اليونان؛ إذ خرج في رحلة تهريب كان الموت شريكه فيها بكل لحظة! لأنه قطع نهراً يفصل تركيا عن تلك البلد من خلال قارب جلدي مليء بالهواء يمكن أن يُثقب لأي طارئ! وساعتها لن يجد من يخلصه من الموت سوى أسماك تأكله وتريحه من عناء منازعة النفس الأخير!… رحل ذاك الشاب إلى تلك البلد الإغريقية بعدما فقد الأمل تماماً من اللقاء بأهله والخروج بطريقة مشرفة من تركيا، خرج عاقداً الأمل على عمل يمكن أن يجده هناك ويخلصه من مشاعر الألم أو الموت قهراً في بلد اللجوء…

أخبرني ذاك الشاب أني أتحمل المسؤولية كصحفي نتيجة سكوتي عن أوضاع أعاينها بنفسي! وقال لي: أنت كأعضاء المجلس الوطني! لا فرق بينكم! بل أنت تسكت عن ألامنا وهم يتكلمون ويشحدون علينا!…

شخصياً نزعت الثقة بأعضاء المجلس الوطني ولست بهذه الكلمات أناشدهم! بل لأزيد صفحات خذلانهم للشعب سواداً، وكي أصرف عني تهمة ذاك الشاب السوري وأتخلص من أمانة وضعها في رقبتي، وتحسباً لأي مشكلة تواجهني من نفس النوع وما أكثرها في بلدان اللجوء، فالحاجة إلى جواز السفر كوثيقة مطلوبة حالت دون دخول الطلاب إلى المدارس، ودون الحصول على مواد غذائية، والبقاء رهين مخيم بشروط مأساوية…

سادة المجلس الوطني السوري، الجهات التي يمكن أن تساعد السوريين على التخلص من هذه الأزمة؛ أدعوكم إلى اختبار رجولة وقدرة وإنسانية في التحصل للسوريين على ورقة تساعدهم على الأقل أن يتنقلوا ويثبتوا شخصيتهم! لا أن يستمروا في  التهرب من الدرك كما كانت حالتهم في سورية مع “الجهات المختصة وقوى الشبيحة!”…

سادة المجلس الوطني السوري كذبتم في دعم الشعب السوري أو تمثيله وصدق النظام السوري عندما كتب على جواز السفر “من يفقد الجواز يتعرض للمسؤولية” وبالفعل، ها هو المواطن السوري يتم مساءلته ليس من النظام فحسب بل من كل دول العالم.

محمد كناص

بواسطة muhamad kannass

قصة جمل الممانعة!

المقاومة والممانعة

المقاومة والممانعة

رسب خلف الطميشان في مادة التعبير! فضجت العشيرة على هذا النبأ وذهبت برجالها ونسائها تستفسر من المدرس عن سبب رسوب ابنها؛ فقال لهم: خلف لا يستطيع التركيز، ويخرج عن الموضوع ولا يكتب عنه ما يستحق العلامة! وحتى لا أظلمه سأورد لكم بعض نماذج كتاباته، وقال الأستاذ: طلبت منه أن يكتب موضوعاً عن فصل الربيع؛ فجاءت كلمات خلف على الشكل التالي “فصل الربيع من أجمل فصول السنة، وفيه تكثر المراعي الخضراء؛ ما يتيح للجمل أن يشبع من تلك المراعي! والجمل حيوان بري يصبر على الجوع والعطش أياماً، ويستطيع المشي على الرمل بكل سهوله ويسر، ويربي البدو الجمل؛ فهو سفينة الصحراء وعليه ينقلون متاعهم ويساعدهم على الترحال من منطقة لأخرى، والجمل حيوان أليف…!” ويستمر طميشان متغزلاً بالجمل وينسى الموضوع الرئيسي!. فرد أحد وجهاء عشيرة الطالب: يا أستاذ قد يكون قرب موضوع الربيع من الجمل أو ارتباطه بالرعي هو الذي جعل الطالب يخرج عن الموضوع! فقال المدرس: لا… وعندي مثال ينقض ذلك، فقد طلبت في درس آخر من طميشان أن يكتب عن “الصناعات والتقنية في اليابان” فكتب خلف: “تشتهر اليابان بالعديد من الصناعات ومنها السيارات، لكن، البدو في تنقلاتهم يعتمدون على الجمل! والجمل حيوان بري يصبر على الجوع والعطش أياماً، ويستطيع المشي على الرمال بكل سهولة ويسر، ويربي البدو الجمل فهو سفينة الصحراء، وعليه ينقلون متاعهم ويساعدهم على الترحال من منطقة لأخرى، والجمل حيوان أليف…!” وهكذا في كل مرة حتى يتخم الصفحة بحديثه عن الجمل! وقبل أن يقاطعني أحد منكم سأورد مثالاً ثالثاً واضحاً ولا علاقة له بالجمل من قريب أو من بعيد، ففي حصة تالية طلبت من خلف أن يكتب موضوعاً عن “الحاسب الآلي وفوائده” فكان موضوعه كالتالي: “الحاسب الآلي جهاز مفيد، يكثر في المدن ولا يوجد عند البدو؛ لأن البدوا لديهم الجمل! والجمل حيوان بري يصبر على الجوع والعطش أياماً، ويستطيع المشي على الرمل بكل سهولة ويسر، ويربى البدو الجمل فهو سفينة الصحراء، وعليه ينقلون متاعهم ويساعدهم على الترحال من منطقة لأخرى، والجمل حيوان أليف…!”.

عشيرة خلف الطميشان لم تقتنع بكلام المدرس، فولدهم في ظنها مظلوم ولا بد من معاقبة المدرس؛ قتقدمت العشيرة بشكوى لوزير التربية على لسان ولدها، فكتب الطالب: ” سعادة وزير التربية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… أقدم لمعاليكم تظلمي هذا وفيه أشتكي مدرس مادة التعبير؛ لأني صبرت عليه صبر الجمل! والجمل حيوان بري يصبر على الجوع والعطش أياماً، ويستطيع الجمل المشي على الرمال بسهولة، ويربي البدو الجمل فهو سفينة الصحراء، وعليه ينقلون متاعهم ويساعدهم على الترحال من مكان إلى آخر، والجمل حيوان أليف!  وكما يعلم سعادتكم إن الجمل يستمد طاقته من سنامه الذي يخزن فيه الكثير من الشحوم، أما عيني الجمل ففيهما طبقة مزدوجة تحمي العينين من الرمال والعواصف! فأرجوا من سعادتكم النظر في تظلمي هذا! فالمدرس ظلمني مثل ما ظُلم الجمل في عصرنا هذا؛ إذ تُؤكل كبدته في الفطور في جميع الوزارات والدوائر الحكومية! فأرجوا منكم النظر في مشكلتي التي لا فرق بينها وبين مشكلة الجمل!..

خلف الطميشان لم يكن طالباً كسولاً فهو يقوم بإسقاطات نفسية وفكرية واجتماعية لقصة الجمل على كل ما يواجهه في الحياة؛ فهي القصة والتجربة التي عاشها وعرفها ولا شيء غيرها في مخيلته وذاكرته!. الأمر نفسه أستطيع قوله بالنسبة للنظام السوري؛ فهو يخزن “أكذوبة كبيرة” في ذاكرته السياسية لا يعرف غيرها ولا يستطيع إلا أن يكررها على مسامع شعبه ونظرائه والرأي العام الدولي، وذلك في كل مرة يطلب منه توضيح لما يحصل في سورية!.

النظام اعتباراً من رأسه “بشار الوريث” إلى أبواقه المحليين أو اللبنانيين كذلك ملحقاته في الضاحية؛ يكررون سلوك “خلف الطميشان” فيما يخص الثورة السورية، “فالممانعة والمقاومة” هي البداية والنهاية في حديث أبواق النظام، وهي الجواب لتوصيف ما يحدث في سورية! فجميعنا يذكر كيف تتم الإجابة عن سبب قتل الأطفال، وعن تشريد السوريين وانتهاك أعراضهم وسرقة أموالهم، وعن سبب اعتقالهم وإهانة معتقداتهم وسب رب العالمين… فالإجابة غالباً تكون: كل ما يحدث عبارة عن عصابات إرهابية تستهدف المقاومة والممانعة، وذلك لا وجود له في سورية الصمود والتصدي! فقط في الصور التلفزيونية التي تدبجها وتفبركها أطراف المؤامرة الكونية!.

النظام لا يخرج عن الموضوع وحسب كما يفعل طميشان! بل، يكرر أكذوبة المقاومة والممانعة (قصة الجمل) وكل مرة بنكهة مختلفة! أي أن النظام غبي أكثر بمليون مرة من خلف الطميشان؛ فالنظام لا يحفظ روايته ظهراً عن قلب كما يفعل خلف! بل قدم إلى جانب قصة الممانعة والمقاومة من بداية الثورة إلى هذا التاريخ أكثر من 11 رواية: (مندسين، الفلسطينيين، مخطط بندر، مخطط الحريري، الطائفية، سلفيين، الإخوان، عصابات إرهابية، حبوب الجزيرة للهلوسة، مدينة قطر للفبركة الإعلامية، المؤامرة الكونية…).

شخصية خلف الطميشان وسلوكه تجسد آخر مرة بخطاب حسن نصر الله في الضاحية مضافاً إليه “أكشن” الخروج من الجحر الذي يختبئ فيه، وهي خطوة تمهد لظهور مرتقب لشريك السلاح “بشار الأسد” في محاولة لخطف أنظار المسلمين عما يحصل في سورية! ركوب موجة الغضب التي تنتاب شعور المسلمين لتكرار رواية الجمل (الممانعة والصمود) لم ولن تنفع عملاء إيران خصوصاً بعدما تم نقضها بالاعتراف بوجود عسكري إيراني على الأرض السورية، وتشكي النظام السوري إلى الرأي العام (وزير التربية) لن يلقى أذناً صاغية خصوصاً أن الذي أسقطه هو الشعب (الأستاذ) وبحكم لا يقبل النقض.

محمد كناص

بواسطة muhamad kannass

مدينة من الثورة… سراقب

سراقب حرة

في مدينة سراقب خرجت أول مظاهرة بمحافظة إدلب تصرخ بوجه النظام وتطالب برحيله، وفي مدينة سراقب تكاد تُعد أيام السنة التي لم تدفع فيها شهيداً أو جريحاً بسبب بطش النظام، وفي مدينة سراقب قليل جداً أن تجد منزلاً ليس منه معتقل أو مفقود، وفي مدينة سراقب لا يعد اليوم طبيعياً إن لم تسقط فيه قذائف وصواريخ على البلدة، وفي مدينة سراقب تُعتبر المعارك مع الجيش والتصدي للأرتال مناسبة دورية تؤرخ خلالها أسماء شهداء وانتصارات، وفي مدينة سراقب كل الخير لبقية المدن رغم إعلانها مدينة منكوبة، وفي مدينة سراقب لا ينقطع سيل المظاهرات مهما كانت الظروف، بل في مدينة سراقب أصبح التوقيت “باقي لأذان العصر 5 قذائف” بدل “باقي لأذان العصر 5 دقائق”!… بهذه الطريقة يصف الناس هناك مدينتهم، ومع ذلك لا أحد يدري بهم في الإعلام؛ فآلامها وثورتها يكاد العنكبوت ينسج بيته عليها، وإن زار المدينة أحد الصحفيين ففي الغالب يسلط الضوء على عورة المدينة وليس على جمال وجهها.

التقيت بصحفي في إحدى مقاهي المدينة وساعتها كانت ممتلئة بشباب البلدة، منهم من شغل بمتابعة الشاشة وما تحمل من فال؛ ومنهم أخذته كتابة الشعارات للمظاهرات، وآخرون يتفقون على كيفية تهريب جهاز اتصال وقليل من الأدوية للجرحى!… الصحفي أخبرني بوقتها أنه وصل لتوه من حمص وقد كان يغطي على خط ساخن بين الجيشين النظام والحر! تفاجأت من تركه لتلك النقاط التي تشكل نبعاً لمواد صحفية وقدومه لمدينة صغيرة على كتف الريف بمحافظة إدلب؟ أجابني الصحفي: سمعت عن المدينة والتلون فيها واختلاف الاتجاهات والمشارب الفكرية لشبابها فأردت أن أنقل هذه الصورة الفسيفسائية، وما شجعني أكثر أن اختلافهم لم يفرقهم على عكس السياسيين قادة تلك الاتجاهات، الذين لا تجمعهم سوى الصور الجماعية! فالتفت الصحفي إلى الشباب المتجمهرين ونادى من منكم شيوعي فرفع عدد من الشباب أيدهم! واتبع من منكم علماني؟ فأجابه عدد آخر! وسأل من منكم يساري، وإسلامي… فرد عليه من كان من هؤلاء! فقال أود أن أنقل هذه الحالة، أود أن أعمم هذه الصورة من الحياة السياسية والتجربة الديموقراطية المختزلة بهذه المدينة الجميلة!.

خرجت وذاك الصحفي؛ فالتقينا شباب يرسمون على جدران المدينة وكان الوقت ليلاً، وقد برر هؤلاء الرسامون عملهم بتلك الساعة أن الصباح شمسه محرقة، وللصباح أشغاله، وكانوا قد بدأوا برسم شخصية “بوب سبونج” الكرتونية تحمل علم الثورة! وللأسف قد انهار ذاك الجدار وتلاشت رسوماته بفعل البراميل المتفجرة، وغابت صورة “البوب سبونج” ومعها ابتسامة أطفال كانوا قد تجمعوا أوان رسمه مبتسمين فرحين لقدوم “بوب سبونج” ليزهر على أنقاض كتابات أزلام النظام وشتائم أفراده التي اغتصبت فطرة وذاكرة أطفال المدينة، إلا أن شخصية “بسيط” و”سنفور” وأخريات لا تزال تبتسم بوجه حمم النظام الملقاة من طائراته.

شباب المدينة (سراقب) أحالوا جدران البلدة إلى لوحات غرافيتية، وقد جعلوا لتلك الرسومات متنفساً على شبكة الفيسبوك تحت عنوان “حيطان سراقب”، مدللين على احتفاظهم بوجه الثورة المدني والحضاري.

يقول الصحفي في ختام جولته كنت أسمع عن مثلث الرعب الذي تشكل سراقب أحد أضلاعه، وقد كان يتحدث عنه أحد المحللين العسكريين على قناة الجزيرة بشكل متكرر، أما الآن فقد عاينته! لكن، ليس لجانبه العسكري بل لجانبه السلمي والفكري والحضاري وهو ما يرعب النظام ويشل أركانه، فالخير كله في شبابها، وتلمس ذلك من اختلاف أفكارهم المعكوس في منتدياتهم الثلاثة على الشبكة المذكورة! فأنا لم أكن أرى نقاشات تدار بين شباب سوري أحدهم شيوعي وآخر يساري وثالث إسلامي… فعقبت على كلامه بالقول: إن هذه المدينة كانت قد عتقت قدرات شبابها وخمرتها في سراديبها القديمة ومنها أخذت هذا الاسم! ابتسم الصحفي وحمل كاميرته وغادر ولازالت المدينة تنتظر ظهورها الجميل على الشاشة التلفزيونية!.

محمد كناص

بواسطة muhamad kannass

الشحادة على شهداء الأقليات…!

رحمة الله عليك…

المخرج باسل شحادة يضحك! المخرج باسل شحادة يركب دراجة! المخرج باسل شحادة يبتسم! المخرج باسل شحادة يؤدي الصلاة في الكنيسة! المخرج باسل شحادة يتأمل شيئاُ بعيداُ! المخرج باسل شحادة مع أصدقائه!… المخرج باسل شحادة تُؤدى عليه الصلاة بكل الأديان!…

هذه الصور أخذتها من أغنية ترثي ذاك الشاب تحت عنوان شهيد الصورة، وقد تم عرض هذا الفيديو الكليب العاطفي على فضائية تصنف نفسها من فضائيات الثورة، وعلى محطة أخرى يتم مراجعة حكاية المخرج باسل شحادة بفيديو كليب وأغنية وصور عاطفية أكثر وتأثير أكبر، وهكذا على فضائية ثالثة…

هذه الهستيرية أو الحالة المرضية في تكثيف إنتاج مقاطع الفيديو التي تتغنى بالشهداء تصيب تلك المحطات في كل مرة يسقط بها شهيد يُحسب على أقلية في المجتمع السوري، في محاولة منها تأكيد وحدة الشعب السوري وتضامنه في طريق الحرية، ولدحض إدعاء النظام أن الثورة طائفية وتقوم على تطرف ديني مقيت!…

تسابق تلك الأقنية الإعلامية في سلوكها ذاك ومزاودتها على بعضها في دفع التهمة الطائفية عن الثورة السورية أصبح خطاباً ممجوجاً ومُستقبحاً، ومغالاة رخيصة من تلك المحطات لأجل تسويق فكرة تنقض تهم النظام المكذوبة، فالرقم الكبير لتلك المقاطع الفلمية والمعروضة على تلك الفضائيات تدفع البعض للاقتناع برواية النظام عن طائفية الثورة! وإلا، ما الحاجة لهذا النوع من الرسائل وبهذه الكثافة طالما ثورتنا على ثقة من وحدة الشعب ومشاركته بكل أطيافه!.

أنا لا أريد أن استمر أكثر بالتوصيف، ولعلي هنا أقترب من لغة الأرقام؛ في هذه الأيام من يتابع الفضائيات يجد الأغاني المصورة التي تعيد رثاء المخرج السينمائي “تامر العوام- من الطائفة الدرزية” الذي استشهد في حلب! وهناك المئات من صفحات المشاركين في شبكة فيسبوك قد وضعوا صورة ذاك المخرج في تقليد منهم لما تبثه تلك الفضائيات من رسائل!… السؤال: لماذا هذه الفجاجة والتجارة الرخيصة بشهداء الأقليات! وللمفارقة، إحدى الشبكات العربية التي تدعم الثورة السورية قدمت تقريراً مفصلاً عن حياة الشهيد، وكيف قتل… وقد أغفلت أنه في نفس الأسبوع استشهد المصور أنس العبد الله في حي التضامن بدمشق، والمصور تحسين التوم في عربين، والمصور نواف الهندي في بيت سحم بريف دمشق، والناشط الإعلامي محمد بديع القاسم في دير الزور؟!.

السعي من خلال ذاك السلوك الإعلامي لتحقيق مكاسب في بورصة المواقف السياسية والشعبية لن ينفع الثورة السورية؛ فكثرة شهداء “أكثرية” في مجتمع ما لا يعني أن يغفل شهداءهم تحت مبرر الخبر العادي، ولا يعني أن يصبح شهداؤها أرقاماً، وأن شهداء بقية المكونات يتحولون إلى قصص إنسانية ورموزاً بحجة دحض الطائفية ووحدة الشعب السوري! (ملاحظة أنا لا أؤمن بتصنيف أكثرية وأقلية).

شعار “سورية للجميع وجميع السوريين متساوون” سيفقد بريقه أكثر إن لم تكف تلك الفضائيات عن الشحادة أو التسول السياسي على شهداء الأقليات؛ لأنها بذلك تثبت أكثر استمرار نظرتها إلى السوري على أنه يحمل درجة تصنيف تختلف عن درجة نظيره، وعلى تلك المحطات أن تحرص على تحقيق خطاب متوازن يرى الثورة السورية كما هي؛ أي ثورة شعبية فيها كل شهيد قصة حاضرة في أرشيف الثورة، وليس الثورة قصة ندفع بها للغرب وبعض المتشككين عن تسامحنا ووحدتنا كسوريين، نحن قمنا بثورة ليس لنثبت للغرب أن الطائفية غير موجودة في سورية؛ بل لينال السوريون حريتهم وعلى اختلاف مشاربهم.

محمد كناص

بواسطة muhamad kannass

السوريون يدفعون ثمن بروباغندا المقاومة

رحمة الله عليك...

المؤامرة تستهدف دولة المقاومة…

بدأ حافظ الأسد مشواره السياسي بتكوين بروباغندا سياسية انطلاقاً من عقد نقص فكرية ونفسية متجسدة في شخصية حافظ أسد ذاته، فالمتتبع لسيرته والتي كتبها أحد الصحفيين المقربين منه يجد أن حافظ أسد أراد بعد عام 1970 أن ينظر إليه العرب على أنه خليفة عبد الناصر، ولا شخص غيره جدير بقيادة المشروع العروبي!.

كان حافظ أسد يخسر في كل مرة على صعيد البروباغندا التي صنعها؛ إذ كانت تنكشف عورتها مع كل أزمة سياسية تواجه البلد سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، وعليه، كان حافظ أسد يرمم ما تهشم من دعايته ولكن كل مرة بتكاليف يدفع فاتورتها الشعب.

حافظ أسد ابتاع السوريين كلاماً إنشائياً عن معاداته للأمريكا وحقيقتها وكرهها للشعب السوري، أيضاً، شعاراته عن السلام مع إسرائيل، وحديثه عن الأرض مقابل السلام، وسلام الشجعان والفرسان، وقدرته على فضح إسرائيل، ومعادات الإسرائليين للسلام… ودوماً تحت تلك الشعارات كان حافظ الأسد ينتقم من السوريين ويبرر قتلهم وتجويعهم وإذلالهم! حتى حساباته مع منافسيه في الحزب والجيش صفاها تحت نفس العنوان، ولنا في أحداث وصول البعث إلى السلطة وانتقامه بعدها من شركائه مثال حي، كذلك دخول لبنان، ومجازر الثمانينات في حماة وغيرها، ودوماً تحركاته تأتي باتهام أعدائه بالخيانة والعمالة للغرب الإمبريالي بقيادة أمريكا ودعم من إسرائيل!.

أمضى حكمه حافظ أسد معتاشاً على صورة سلبية ووحشية شكلها في الذاكرة الجمعية السورية عن أمريكا والغرب، وجاء بعده ابنه بشار وحمل نفس الإرث الفلسفي في السيطرة والحكم؛ ودفع الشعب السوري فاتورة شعارات “الممانعة والصمود” لمدة يزيد عن عشرة أعوام، وهو حتى اللحظة يعاني القتل والتشريد والاعتقال ويحرم حريته بسبب تلك الدعاية، وهو متروك لحتفه تفتك به آلة الموت لرغبة من الغرب –على ما يبدو- أن يدفع الشعب السوري فاتورة تصديقه لبروباغندا حكامه، ولإزالة الصورة السلبية المتكونة عنه في الذاكرة الجمعية وخصوصاً عن إسرائيل.

فترك الشعب السوري كل هذه المدة وحيداً يعاني الموت يحقق مكاسباً سياسية وغيرها لأطراف إقليمية ودولية، والأهم من ذلك المكاسب التي حققتها أمريكا وإسرائيل على صعيد الذاكرة الشعبية للناس في سورية؛ إذ بهذا العام والنصف الماضيين من عمر الثورة استطاعتا أن تشيطنا صورة إيران وحزب الله بعدما كانت صور نصر الله ونجادي تملأ غرف كثير من السوريين، أيضاً استطاعت أن تزرع إسرائيل تصوراً لدى فئة من الناس أنها أرحم بمئة مرة من حكامنا الذين صدقناهم بدعواهم حول عدونا الحقيقي المتجسد بإسرائيل، أيضاً أمريكا التي تاجر حافظ الأسد بشيطنتها وقدسية قدميه من أن تطأ أراضيها تريد أن تعيد ترميم صورتها في وجدان الشعب السوري! وهذا لم يكن ليتم لو رحل بشار من الأيام الأولى للثورة؛ إّذ ستجد إسرائيل وأمريكا شعباً تركه بشار الأسد ومن قبله أبيه يؤمن بدعوى المقاومة “إيران وحزب الله” ويؤمن بأن شيطان العالم برأسين هما إسرائيل وأمريكا؛ وحينها لا يمكن ضبط الشعب الذي ستحركه عاطفياً هذه الترسبات البروباغندية ودعوى تحرير فلسطين وطرد أمريكا من المنطقة!.

الشعب السوري ذاكرته ليست قصيرة، وهذه التكاليف التي تريدها أمريكة وإسرائيل كقيمة يدفعها الشعب السوري؛ لتبيض صورتها والظهور بمظهر الملاك المدافع عن حريات الشعوب بالمنطقة لم تأتي بنتيجة لأمريكا وإسرائيل وتعرف أن الشعب السوري رغم هذا الذي يعانيه من كتائب نظام الأسد لم يغير وجهة نظره من كون أمريكا هي من صنع لعبة البرباغندا السابقة لبشار وأبيه من قبله؛ وعليه نستطيع فهم لماذا روبرت فيسك قال مؤخراً: إن القاعدة والجماعات الإرهابية هي من قاد الاحتجاجات في العالم الإسلامي، ونحن لا نريد أن نلدغ في سورية كما لدغنا في ليبيا! إذ يريد فيسك بعدما أردكت إدارته أنها خسرت الشعب بترك السوريين هكذا ألا تخسر النظام الذي صنعته وبالتالي خسارتها لحضور في المنطقة، وقد ترافق تصريح فيسك مع خطاب دعائي لحسن نصر الله الذي انتفض في الضاحية مدافعاً عن الرسول ومذكراً بخطاب الممانعة والمقاومة الممجوج كمحاولة لإعادة كسب ما خسروه على المستوى الشعبي والسياسي.

الشعب السوري يدفع حالياً فاتورة تلك الدعايات السياسية والبروباغندا الرخيصة مرتين، مرة عندما خُدع بها من قبل حكامه! والثانية عندما أراد في ثورته الحالية أن يتخلص منها ويحقق حريته المنشودة، وهي قادمة لا محالة فالشعب أبدى ذكاءاً يفوق ذكاء هؤلاء القادة المجرمين، ولن تنطلي عليه أكذوبات أخرى في قادم الأيام.

محمد كناص

بواسطة muhamad kannass

عورة فضائيات الثورة

شكراً جزيرة شكراً عربية...

شكراً جزيرة شكراً عربية…

كانت الفضائيات تتكاثر بشكل مرعب بعد سقوط كل طاغية في الوطن العربي، وكانت تلك الأقنية بالمجمل تتخذ من عملية التحرر وشعارات الشعوب اسماً لها، ويسجل لتلك القنوات عملية نمو غير طبيعية تبدأ بخط بياني متصاعد ثم ما تلبث أن تنحدر ويختفي بريقها، وجمهورها الذي التف حولها يملها ويعود إلى متابعة الشبكات التقليدية وبرامجها، ولدينا في الحالة العراقية والليبية والمصرية والتونسية نموذج.

الحال السورية غير بعيدة عن ذلك، لا بل، ما يميزها أن الطاغية لم يرحل بعد والفضائيات الثورية في تزايد مضطرد، وهي في كل يوم تنهش لحمه وتدندن بنغم الثورة، لكن، ما فشلت في تحقيقه الفضائيات الحديثة النشأة في الوطن العربي بالنسبة لقضاياها، لم تنجح في تحقيقه الفضائيات السورية بالنسبة للثورة!.

في الحالة السورية نقترب من الدقة إذا قلنا إن الفضائيات حديثة النشأة لم تقدم شيء يذكر للثورة السورية؛ وذلك يتضح إذا ما سألنا أنفسنا السؤال التالي: ماذا لو توقفت بعض الفضائيات مثل: الجزيرة والعربية.. عن تغطية الثورة السورية! وأوكلت المهمة لتلك المحطات السورية؛ هل ستقوم بواجبها على أحسن وجه، وهل تمتلك القدرة على إيصال الثورة السورية إلى الرأي العام المحلي والعربي؟… قد يقول قائل: إن تلك الفضائيات لا تمتلك الإمكانيات المادية والتكنولوجية لتقوم بمواجهة هذه المهمة على غرار الجزيرة والعربية! الجواب: هذا الكلام ليس بالضرورة صحيح، لأن بالإمكان الانطلاق من قدرات مادية محدودة وتحقيق الجماهيرية، فمثلاً: جميعنا يعرف “الداعية عدنان العرعور” ومحطته الفضائية المغمورة “وصال”! إذ استطاعت هذه المحطة أن تجمع طيفاً واسعاً من الجمهور السوري حولها وحول برنامج الداعية لدرجة أزعجت النظام، فأّذكر أن التيار الكهربائي كان يتم قطعه يوم الخميس عن الريف الدمشقي مدة بث البرنامج لأنه كان متابعاً من الناس هناك، وهذه البرنامج لم يكن بتكاليف وتقنيات عالية! إنما فقط امتلك آلية مخاطبة جمهوره بشكل صحيح، وهذا ما عجزت عنه الفضائيات الحديثة النشأة كما أنها لم تصل بعد إلى بلورة برنامج ذي جماهيرية مشابهاً لبرنامج العرعور السابق. (ملاحظة: أنا لا أدافع عن الشيخ العرعور، ولست من مريديه، إنما هو مثال واقعي عن فضائية مغمورة حققت جماهيرية بإمكانيات متواضعة ومن خلال برنامج تلفزيوني واحد).

كما أستطيع أن أضيف إلى معاناة تلك الفضائيات عجزها عن تشكيل تيار أو رأي عام يقود شريحة من شباب الثورة، ويحسب عليها أيضاً عدم تمكنها من ربط السوريين في الداخل بقادة الرأي والمتنورين والوجوه المعروفة في الخارج، كما أنها لم تقدم المعارضة السياسية إلى الشعب السوري بطريقة تحقق تعاوناً بين الطرفين، وأسوأ ما في سلوك تلك الفضائيات هو اجترارها المقيت لفيديوهات الناشطين ومعاناتهم في الداخل، إذ تقتصر تلك الفضائيات على جعل تلك المقاطع المصورة كفيديو كليب لإحدى الأغاني الوطنية! في حين لو كان هذا المقطع بيد إحدى الشبكات الغربية؛ لكانت أتت بضيوف ومحللين يبحثون في مضمونه وطبيعته ونفسية مُصوره، ولكانت جعلت منه قصة إنسانية أو موضوعاً لفيلم سينمائي قصير!.

لا أريد أن أختم قولي بالنوح على جنازة تلك الفضائيات بشكل مبكر؛ إنما أتمنى لتلك الفضائيات أن تكون أقنية ومنابراً للسوريين كي يناقشوا قضاياهم بحرية، وألا تدع السوريين ينتظرون حسنة الشبكات الإعلامية العالمية أو العربية لتسلط الضوء على موضوعاتهم، فنحن حتى اللحظة نعيش كما كنا أيام الطاغية نتلقى أخبار ثورتنا وأسماء شهدائنا من الفضائيات العربية لا من فضائيات الثورة السورية.

 محمد كناص

بواسطة muhamad kannass

أراكم تغضبون…!

لا أود أن أفتتح كلامي ببطاقة نعوة للسفير الأمريكي في ليبيا، كما لا أود أن أستل سيفي على من قتله، ولا أريد أن أتباهى بإنسانيتي وألوح باستنكاري لهذا العمل، فالمشاعر أخذت مجراها، ومضى الزمن الذي يجب أن نرى فيه الحادثة بمنطق العاطفة!.

اغضبوا للرسول ولسورية

اغضبوا للرسول ولسورية

لو أخذنا الحدث على شكل شريط سينمائي وقمنا بتحليله؛ لوجدنا أن السفير الأمريكي المقتول كان سابقاً يجول في شوارع ليبيا كأي مواطن فيها، وكان متعايشاً مع الناس ومستأنساً برفقتهم، كما سنجد فيه شخصاً وقف إلى جانب الليبيين في ثورتهم وسبيل حريتهم! ودعمهم في قضيتهم وساعدهم على الخلاص من الديكتاتورية…

إذا ما الذي تغير؟ ما الذي دفع هؤلاء الأشخاص إلى قتله؟ يا هل ترى نسوا خدمة هذا الشخص؟ أم ماذا؟

الإجابة على هذا السؤال يجب أن تسقط عامل المفاجأة الذي أصيب به الكثير، ويجب أن تضع في حسباننا تكرار حوادث مشابهة!.

لنأخذ مثالاً الأسد في حديقة الحيوان؛ إذ لحظة سقوطه في حالة جوع قوية؛ يأكل سائسه بالرغم من عشرة الزمن بينهما وما كان السائس يبذله من جهد ووقت في إطعام الأسد! بمباشرة أكثر، أمريكا الآن تقع ضحية للأسد الذي ربته في حديقتها الخلفية في أفغانستان، وعدد من البلدان العربية!.

الشباب المسلم الذي يؤمن بالعنف كحل لقضاياه وأموره موجود في كل البلدان العربية، بدءاً من سورية وليس انتهاء بليبيا، وأمريكا تعلم هذا قبل غيرها وكلما احتاجت أمريكا أن تشتري تعاطفاً سياسياً أو أن تسوق موقف من مواقفها، أو تبرر سياسة من سياساتها تقوم بتجويع الأسد أو إيذائه! هنا في حادثة قتل السفير الأمريكي في ليبيا يبدو أن استفزاز الأسد (بعض الشباب المسلم) من خلال الفيلم المسيء للرسول جاء نتيجة لحاجة أمريكا في موسمهما الانتخابي لقضية تتجر بها داخلياً وخارجياً، كذلك، بعدما كانت الطائرات الأمريكية تسجل حضوراً لبلدها في الجو الليبي؛ بات “المارينز” الأمريكي الذي جاء تحت عنوان حماية السفارة الأمريكية يسجل حضوراً على الأرض.

المراقب ومن دون تعب ذهني يجد أن أمريكة لها ثلثي الخاطر مما يحصل من ردات فعل عنيفة يقوم بها بعض الشباب المسلم، وغالباً ما تصنع بيئة تبرعم فيها بذور تطرف حتى لو كان ذلك داخل أمريكة! فمثلاً: أمريكة تعلم بالقس الذي دعى إلى يوم يحرق فيه القرآن الكريم، كما أنها تعلم بعلاقة المخرج للفيلم المسيء للرسول بذاك القس، بل وتحميهم بقوانين عريضة تتحدث عن حرية التعبير، ولو أن أمريكة حريصة على استقرار علاقتها مع بقية الشعوب لما كانت سمحت لذاك المخرج أن يرتكب هكذا حماقة، كما أن أمريكة لو أرادات أن تجفف منابع العنف تجاه موظفيها ومواطنيها؛ لراجعت أولاً سياساتها ونظرتها للشعوب والأديان الأخرى وأخص بالذكر دين الإسلام.

إذاً صناعة الموت تبدأ في أمريكا بتبنيها لفلسفة سياسية عنصرية معينة تجاه الشعوب تجعل من الموت صدى لها، فما انتشار أفكار القاعدة بين شبابنا المسلم واعتماد العنف كحل إلا ردة فعل للقاعدة الفكرية والسياسية التي تنتهجها أمريكة تجاه الآخر.

أنا لا أبرر ولا أسوق لأعمال أخرى قد يقوم بها بعض الشباب المسلم مستقبلاً، لكن حتى لا نبقى نجلد أنفسنا على ردات فعل طبيعية من بعض الشباب المسلم، وكي لا نجعل من أمريكا دائماً الحمل الوديع، بل على العكس، أريد من شبابنا أن يدرك المعادلة السابقة وكيف يتم إيقاعه بأفخاخ نصبت بشكل محكم، فيا أخوتي الشباب، أمريكا بهذه الحادثة اشترت بدم السفير الأمريكي وهو شخص واحد ما لم تستطع أن تحققه ساعة كانت تمتلك الجو الليبي إبان إسقاط القذافي، فإلى متى سنبقى عاطفيين بردات فلعنا، وإلى متى ستبقى أمريكا تستثمر غباءنا واندفاعنا؟! أنا لا أقول لكم لا تغضبوا؛ بل اغضبوا؟ لكن، هل ما عاد في الدنيا من يسب الرسول إلا هذا المخرج حتى نبادر بهكذا فعل! لتعلموا أن هناك من يسب الرسول على مدار الساعة ومن جلدتنا دون أن نأتي بردة فعل تجاهه، وليس آخرهم من أراد من معقتل أن يقول: “بشار ربه”… ثم، غضبتم لمن تكفل رب العالمين بالدفاع عنه، ولم تغضبوا لما كلفكم الله بحمايته!… ألا تغضبون لدماء الناس وأطفال المسلمين في سورية والتي تراق جهاراً نهاراً، أم أنكم تريدون إخفاء نفاقكم بهكذا ردات فعل!… لتعلموا الآن وفي المستقبل أن الرسول لن تطاله إساءة جاهل، ومن يحاول الإساءة إليه كمن من نظر إلى الشمس وبصق عليها في محاولة لإطفائها فارتدت إليه بصاقته… أريحونا من غضبكم بارك الله فيكم فلا أراكم هكذا تغضبون.

محمد كناص

بواسطة muhamad kannass