أبو عصام الفضائحي!

لحظة الحقيقة أم الفضيحة!

السلسلة الفضائية نفسها التي خلقت وروجت شخصية “أبو عصام- عباس النوري” الرجل الحكيم الفاهم، والفرد المحب، والمحافظ على شرفه وعرضه وأسرار بيته- ستقوم هذه المرة بتسويق “أبو عصام- عباس النوري” كاشف الأسرار والمتلصص على الأعراض، الذي سيقوم بإشهار طلاق “أم عصام من أبو عصام”، وكشف قاتل “الإيدعشري”، وفضح حب “جميلة” العذري من فارس أحلامها “بشير”، وتعطيل زواج الشاب “ابراهيم” من سيدة بيته “دلال”، ويتم إحراج الأرملة “فريال” و”أم عصام” حول حقيقة مشاعرهما تجاه بعضهما البعض… والقائمة تطول ولاتنتهي، وكل ذلك في برنامجه الجديد على قناة (MBC-4) (لحظة الحقيقة) النسخة المعربة للبرنامج الفضائحي الأمريكي الذي يحمل ذات الاسم! والذي سيعرض لاحقاً.

على ما يبدو أن الكثير من نجوم الدراما السورية! يقررون في بعض الأحيان هدم مشوارهم الفني بدخولهم فضاءآت وأجواء تتناقض وما عرف عنهم من خلال الشاشة، وكل ذلك على خلفية التهافت لجني الأموال على حساب القيم التي يزعمون أنهم يسعون إلى تحقيقها، وعلى حساب قيم مجتمعنا!.

فإن ما يقوم به السيد (عباس النوري) عبارة عن نصب كرسي كشف الكذب في ساحة الحارة؛ ليسأل أبناءها ووجهاءها عن أسرارهم، ويطلب منهم نشر غسيلهم أمام (العواينية) والأصدقاء، الأمر الذي يفرح له (النمس) وكل أعضاء الكاراكون (المخفر) من أذيال الفرنساوية.

كذلك سيجبر الحكيم (أبو عصام) كل من يخسر على ذاك الكرسي إلى بيع بيته في حارة (الضبع) حارة الفضيلة، والانتقال إلى حارة (أبو النار) وكر الفساد والرزيلة؛ لأنه لن يعد بمقدوره العيش بين أناس يعرفون البير وغطاءه!

ثم إن النجم! (عباس النوري) بدوره ذلك سيغري نساء حارة (الماوي) بمعرفة الكثير من أسرار أزواجهن، والكشف عن حقيقة مشاعرهم؛ مما يثير البلبلة ويرشح دخول الغوطة وثوارها للمشاركة في تلك المسابقة!.

وإن ما يقوم به النجم (عباس النوري) سيزيد من ترديد أسئلة مثل: ما الذي يريده الممثلون على ساحتنا الوطنية؟ هل هم بلا هدف؟ أم هم جسد متقن للأدوار الاجتماعية يتم بيعه للذي يدفع أكثر؟ هل هم يسعون لبناء نموذج حقيقي لأبناء المجتمع؟ أم هم جناة للدراهم والدنانير؟…

في غياب الجواب لا يسعنا إلا أن نقول: كفى سخرية من عقولنا ومشاعرنا، وليبقى “أبو عصام” الرجل الستير المحافظ حتى تبقى رحماتنا تتنزل عليه بعد مماته، وكي يبقى معتز وعصام فخورين بأبيهما الذي حفظ صندوق أسرار حارة (الضبع)!.

محمد كناص

Advertisements
بواسطة muhamad kannass

أخرجوا الوحوش من حديقة أطفالنا!

براءة أطفالنا في الوحش!

تناهى إلى مسمعي عبر إحدى الموجات القصيرة أن إحدى الفنانات العربيات، التي تعتبر من معشوقات الجماهير –لغناها بالسيليكون، والمقومات الجبارة الأخرى- لا تمانع من إنجاب أطفال دون زواج، لا بل تعتبر ذلك مطلباً أخلاقياً!.

الخبر الذي راح يطبل له المغفلون في تلك الإذاعة يشكل إعلاناً من تلك الغانية لنزع ثوب الحياء والعفة، ودعوة منها لجعل الأجيال عبارة عن ناقلي للنطاف والبيوض عبر مختبرات صناعية؛ وبالتالي تحول الأسرة إلى شيء من ضروب التاريخ.

لتلك المغنية شأنها في عرضها وعفتها، لكن، المخيف في الموضوع أن بعد ذاك الإعلان ليس بفترة طويلة شاهدت تلك الفنانة على إحدى الفضائيات العربية في ضيافة برنامج مخصص للأطفال، تقوم فيه بالتنظير والتقييم لشخصيات الصغار وأدائهم ومهاراتهم، وتبدي رأيها في سلوكهم وتصرفاتهم، وأهل الطفل يستمعون ويصفقون لكلام تلك الغانية في ابنهم وكأن ملكاً من السماء يتحدث أو رسولاً أو فيلسوفاً فاضلاً، والطفل المسكين تشتد سعادته كلما رأى فرح أبويه وتشجيع تلك المطربة؛ فهو الحمل الوديع والطير البريء غير العارف بما يرتكب بحقه من جرم؛ إذ أن منظومة قيمه وشيفرة أخلاقه تُجهض في مهدها على يد من أعلنت الرغبة في إنجاب أطفال دون وجود زوج شرعي، وعلى مرأى من أسرته، وبمساعدة فضائحية على أثير تلك المحطة.

 كيف سيكون حال الجيل مستقبلاً وماذا نتوقع منه؛ إذ كانت قدوته نساء مواخير جعلن من النسق القيمي حكاية قديمة، وهل سيقدم ذاك النشء شيئاً لبلده يوصله إلى الفضاء؛ إذا كانت قيمه وأخلاقه تُغتال بين سيقان تلك الفنانات، وهل سيعيش ذاك الجيل متوافقاً مع نفسه ومع مجتمعه ووطنه؛ بعد أن يتم تبليغه أن النجومية هي أن تقتدي بتلك الشخصيات الناقصة.

الجواب دون شك، وعلى الأسس العملية يقول: “لا”؛ فما أكده باحثون ودارسون في النسق القيمي أمثال (ماسلو، وكارل يونج)(*) أن سبب انخفاض أداء الفرد الإبداعي والأمراض النفسية كذلك الاضطرابات التوافقية مع المحيط، يكمن في مدى سوية النسق القيمي والروحي لدى الشخص. كما أكدت ذات الدراسات على القيم الدينية والعقائدية كفاعل مهم في صنع واقعية الشخص واستقلاليته، ودفعه نحو الخلق والابتكار.

الكلمات السابقة ما كنت لأكتبها لولا بثها على مسمع أبنائنا من قبل إذاعة محلية، ولولا ظهور تلك الغانية في حديقة أطفالنا خلال إحدى برامجهم التلفزيونية؛ فرفقاً بالجيل والصغار ولنخرج هؤلاء الوحوش من حياة أبنائنا؛ ولتسكت تلك الإذاعات عن نقل أخبار المعتوهين، فنحن بحاجة إلى أفراد يحتفظون بقدراتهم العقلية، ويعيدون حكاية الرشيد والوليد.

 

(*) محمد عبد اللطيف، “ارتقاء القيم”، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة كتب عالم المعرفة)، ص (171).

محمد كناص

بواسطة muhamad kannass

قل لي ماذا ترتدي أقل من أنت!

الملبس هو القشرة الأولى من الهوية!

نيريسا: فما قولك في البارون الإنكليزي الشاب  فالكونبريدج؟

بورشيا:  لا أرغب به… فما أغربه من زي يرتديه! أحسبه قد اشترى فبعته من ألمانيا، وسرواله من فرنسا، وسترته الضيقة من إيطاليا، واقتبس سلوكه من كل مكان”.

الحوار السابق المأخوذ من مسرحية “تاجر البندقية- لشكسبير” يحمل –كما هو واضح- رأي الأميرة (بورشيا) لوصيفتها (نيريسا) في البارون الإنكليزي الذي كان تقدم لخطبتها، والذي رُفض على خلفية تلونه الثقافي في الملبس والسلوك!

السؤال: ماذا لو كانت تلك الأميرة التي عاشت في إيطاليا أواخر القرن السادس عشر تعيش في زماننا هذا ومجتمعنا هذا، وطلب إليها أن تعطي رأيها في ملبس وسلوك أغلبية شبابنا. ثم ماذا كان سيكون رأيها لو تقدم لها أحد شبابنا خاطباً؟

الجواب بكل تأكيد وبناء على موقفها السابق: “لا”، أو ربما يكون قولها مماثلاً لما لاقاه ذاك البارون الإنكليزي؛ فشبابنا في الوقت الراهن يجمعون على أجسادهم ملبساً عابراً للقارات لا يحمل أي إشارة لانتمائهم الثقافي المحلي؛ فالبنطلون صنع في بيوت الأناقة الأمريكية، وقد ثبت على أسفل الخصر، والكنزة مستوحاة من مدارس الأزياء في باريس وروما، وتسريحة الشعر منتزعة من فكرة مجنونة لسكير يعمل في إحدى الصالونات الإنكليزية، والساعة في تصميمها وهيكلها من اختراع الأدمغة السويسرية، والحذاء تم تقليده في الصين على غرار نعل أبطال الرياضة الأوربية…! والقائمة تطول وتكاد لا تنتهي.

 إن افتراضنا السابق عن كون الأميرة (بورشيا) تعيش في زماننا هذا سيكون حكماً عليها بالبقاء على عذريتها مدى الحياة؛ أو يبحث شبابنا عن هويتهم وثقافتهم ويجسدوها في ملبسهم وسلوكهم، وهذه الرجعة لن تتحقق إلا بامتلاك القوة؛ فالأقوى هو الذي يفرض زيه والأقوى هو الذي يفرض ثقافته وسلوكه، وإلا كيف نفسر غربة أبناء الساموراي عن زيهم التقليدي إلى الجينز بعد القنبلة الذرية الأمريكية التي ألقيت على بلادهم!

كلامي هذا ليس رجعية أو تزمتاً أو دعوة لارتداء زي الأمين والمأمون مع التقدير العظيم لهما؛ إنما هو قول كي نقف قليلاً ونفكر كم نحن في غربة عن ثقافتنا، وكيف تم غزونا حتى بتنا أشخاص مقلدين ومنساقين لصاحب القبضة حتى لو كان حديث الثقافة والفكر كما هو حالنا مع نتاج العم سام!.

فلننزع ما على هياكلنا من ملابس ذات علامات غريبة؛ ولنبدأ بحاكية ثوبنا على مزاجنا وثقافتنا، ولنرفع شعار “أنا أرتدي ما تُحيكه هويتي ويدي”!.

محمد كناص

بواسطة muhamad kannass

دعوة للإيمان!

إني مؤمن!

يذكر لنا الأدب في كليلة ودمنة قصة ناسك اشترى كبشاً ضخماً ليجعله قرباناً؛ فانطلق به يقوده، فبصر به قوم ماكرون فأرادوا أن يخلصوه أضحيته؛ فاتفقوا فيما بينهم على مسرحية يؤدوها مع بعضهم البعض تنتهي بما يريدون؛ فقال أحدهم بعد أن اعترض طريق الناسك: “أيها الناسك ما هذا الكلب الذي تقوده؟ ثم عرض له آخر فقال لصاحبه: “ما هذا بناسك؛ لأن الناسك لا يقود كلباً…”. وبقي هؤلاء المكرة على تمثيليتهم في أخذ وجذب حتى اقتنع الناسك أن الذي بيده هو كلب وأن الذي باعه إياه قد سحره في عينيه حتى يراه كلباً!.

حال هؤلاء المكرة يشبه إلى حد بعيد دعوى الكثير من شباب هذه الأيام غير المؤمن، الذي يحاول دائماً أن يقنع غيره من المتدينين أن هم ليسوا إلا على خرافات وجهل لا يقدم ولا يؤخر في حياتنا المعاصرة؛ حتى ينزعوهم من واقعهم الديني الذي هو في الحقيقة نداء السماء لسكان الأرض وطريق للخلاص.

بل، ويتفاخر –ولو بطريقة غير مباشرة- الكثير من هؤلاء أنهم خارج حلقة الأوهام الدينية، التي يتعلق بها فقط قاصري العقول، والذين لا يمتلكون قدرة على تناول الحياة وفق مدلوها العلمي والمادي!؛ بمعنى أن الدين فقط للنساء والدعاة والوعاظ وكبار السن!.

لكن، ماذا لو علم هؤلاء أن قصة نجاح أعظم الشخصيات في التاريخ المعاصر كان يكمن في تدينهم وورعهم، فمثلاً: أيزنهاور كان يتضرع إلى ربه كل يوم في أن يؤازره وينصره، ولم يكن ليحمل معه حين طار إلى إنكلترة ليتولى قيادة جيوش الحلفاء سوى الإنجيل!. كذلك الجنرال “مارك كلارك” ما كان ينقطع عن تلاوة الإنجيل طيلة أيام تلك الحرب!.

وليعلم هؤلاء أن أكثر الأطباء شهرة في العالم أمثال الدكتور “ألكسيس كاريل” الحائز على جائزة نوبل أقروا بتدخل الصلاة في أغلب الأحيان لدفع الداء عن مرضاهم، ونشر النشاط في أجسادهم. وقد قال الدكتور “كاريل”: “إننا حين نصلي نربط أنفسنا بالقوة التي تهيمن على الكون، ونسألها أن تمنحنا قبساً منها نستعين به على معاناة الحياة”.

وقبل أن توافيه المنية كتب العالم والمفكر “ألبرت إينشتاين”: “إن العلم بدون دين هو العرج، والدين بدون علم هو العمى”؛ الأمر الذي يدفعنا إلى دعوة كل إنسان إلى جمع علمه مع دينه فلا نترك العلم فنهلك، ولا نترك الدين فنكون كالشياطين الذين نهبوا قربان الناسك!.

محمد كناص

بواسطة muhamad kannass

المجاملات… علبة الماكياج الاجتماعي!

المجاملات ثياب الرياء!

ذكرت كتب السيرة أن الفاروق عمر بن الخطاب كان مجتمعاً بمجموعة من أصحابه، فأراد أحدهم أن يحظى بعناية خاصة منه (ابن الخطاب)؛ خلال مجاملة يلقيها على مسمعه، فقال: “يا أمير المؤمنين لم نرى أفضل منك قط بعد سيد البشر محمد (صلى الله عليه وسلم)”. فتغير لون وجه ابن الخطاب وكأن الكلام الذي قيل له تهمة وليس مدحاً، فبادر أحدهم بالقول: لا والله لقد رأينا من هو أفضل منك. فقال عمر: “ومن هو؟”، قال الرجل: “أبو بكر!” فقال ابن الخطاب: “كذبتم جمعياً بسكوتكم، وصدق هو!”.

لم يرضى الفاروق بمن يجامل، ولا بمن يسكت على مجاملة؛ فما قوله بمجتمعنا الذي أتقن بيع المجاملات في سوق العلاقات الاجتماعية السوداء، وما قوله بأشخاص عدوا الرياء والمداهنة والإطراء فناً يميز الشخص الذكي عن غيره من الأغبياء، وما تعليقه على أفراد أتقنوا اصطياد الناس بإسماعهم ما يحبون، وذمهم لما يكرهون؟!.

لا شك أن ابن الخطاب كان سيضطر إلى تخصيص محكمة تنظر في أمور هؤلاء الأشخاص؛ وذلك بتهمة إلغاء النقد والنقد البناء، وبتهمة التضليل والتعمية للناس عن النظر والمراجعة لعيوبهم!.

وكم سيكون خبر المحكمة ساراً لجبران خليل جبران؛ الذي كتب ذات مرة يشكو تلك الوزمة الاجتماعية يقول: ” لم أشعر بألم الوحشة حتى مدح الناس عيوبي الثرثارة، وسكتوا عن حسناتي الخرساء!”.

المجاملات الاجتماعية هي بالتأكيد ضرورة تقتضيها الحال في بعض الأوقات؛ لكن أن تستحيل إلى سلوكاً يُعبد، وتصرفاً يتبع في كل الأوقات ومع كل الناس فهذا أمر أكثر من هدام لبناء المجتمع. فما يقال عن المجاملة ينطبق على حالات مثل: أن تجامل أحد الأشخاص على تفضيله الذوقي لأكلة أو ثياب أو لون شعري أو إحساس أدبي… أما أن تتغلغل المجاملة إلى مسايرة الشخص على خطأه الواضح حتى تحظى بمرادك، أو مقعداً متقدماً أمام سيدك على حساب زميلك؛ فذلك هو القتل والتدمير الذي تحدث عنه جبران خليل جبران حين قال: “بين الناس قتلة لم يسفكوا دماً قط، ولصوص لم يسرقوا شيئاً البتة، وكذبة لم يقولوا إلا الصحيح…!”.

قد يقول البعض: “كيف لي أن أستغني عن المجاملة فالصراحة تقضي على كل علاقة وطيب بين شخصين”؛ أقول إن اليابانيين قد ابتدعوا طريقة لإبداء آرائهم تجاه بعضهم البعض، وأسلوباً يحفظ كل ود بينهم وهو الشخص الثالث، الذي يمكن أن يكون مخرجاً للجمع بين الطرفين دون اضطرار أحدهم إلى مداهنة الشخص الآخر!.

فتلك العبارات المفتعلة والمفبركة في البيوت البلاستيكية، والموجودة في الشارع، والعيادة، والمؤسسة التعليمية، والعمل، والسرفيس… إن لم نتخلص منها نكون قد حكمنا سلفاً على نجاح فشلنا، وغياب فكرتنا، وتشويه قيمنا.

فلنغضب على هؤلاء الأشخاص المجاملون، ونلاحقهم على كذبهم كما تلاحق البكتريا في جسد المريض، ولنستعيد صدقنا الشفاف غير الجارح، ونرمي بعلبة الماكياج الاجتماعي؛ فهي صنعت خصيصاً للتعامل مع العدو!.

محمد كناص

بواسطة muhamad kannass

صناعة النجاح في بلاد اليابان!

ثقافة العمل الجماعي!

لا شك أن ثقافة العمل الجماعي والتعاون ضمن روح الفريق هي أبرز سنن الحضارة في الوقت الراهن، ودليل على الوعي والتفاهم بين الأفراد داخل خلية المجتمع، وفي كثير من الأحيان تعتبر هذه الثقافة في العمل والانضباط عربون النجاح والتقدم.

اليابانيون أدركوا تلك العناوين العريضة في النشاط فكانت النتيجة قصة حضارة لبلادهم، وسيرة نجاح لشعبهم. فالمراقب لتلك الجزر على كتف المحيط الهادي يجد أناساً يتحركون في سعيهم زرافات وجماعات، ويحتفلون ويفرحون كفريق واحد بزي واحد.

تفضيل اليابانيون للعمل الجماعي يدفعهم في كل تصرفاتهم إلى تقييم الأفراد بناء على تآلفهم مع الفريق وليس بما لديهم من مهارات أو قدرات، ويميلون دوماً إلى تعليل انحيازهم بالجماعات التي ينتمون إليها، كالجماعات السياسية التي تسمى عندهم “هابا تسو” أو الشلل الجماعية أو الأكاديمية التي تعرف بـ “جاكا تسو”!.

سياسة خلية النحل عند هؤلاء أصحاب القامات القصيرة والنشيطون منتزعة من مثلهم الشعبي القائل “الظفر الذي يخرج من الإصبع يقع على الأرض”؛ بمعنى أن الذي لا يعمل مع الجماعة يفشل، لذلك تجدهم أقرب إلى التفاخر بالمؤسسة التي يعملون بها، ويضعون شعارها على صدورهم بكل الأوقات، وينظرون إلى عملهم ووظيفتهم على أنها انتماء وهوية ضمن الجماعة أكثر من كونها مصدر لكسب الراتب. وينادون رئيس العمل لديهم بكلمات مستوحاة من ثقافة الأسرة؛ فيسمونه: “أويابوم” ومعناها:”في مقام الوالد”، والرئيس بدوره يسمي مرؤوسيه بـ: “كوبوم” وتعني: “في مقام الولد”. بل، ويصل الأمر بهم إلى تأليف الأغاني بالمؤسسات التي يخدمون بها، ويغنوها بصوت عالي لدى كل مناسبة!.

أما على المستوى الاجتماعي والحياة الأسروية فتجدهم يحتفلون في حاناتهم وبعد خروجهم من العمل بشكل جماعي بعيداً عن المحادثات الجانبية الثنائية، ويخصصون يوماً أسبوعياً يخرجون فيه للتنزه أو السياحة خلف مرشدتهم التي تسوقهم وبيدها علماً كفريق من الأطفال الصغار مبتسمين ابتساماتهم الدافئة تلك، وكأنهم وجدوا أنفسهم لتوهم!.

إدراك اليابانيين لنجاح فلسفتهم تلك في الحياة والعمل يدفعهم للحفاظ عليها في كل لحظة؛ لذلك يحرصون على تجنب المواجهات الصريحة بين بعضهم البعض، ويستخدمون سياسة الوسيط بين الطرفين تجنباً للإحراجات، وهذا ما يفسر استمرار الزواج التقليدي لديهم المعتمد على الأسرة للبحث عن عروس حتى يجنبوا الفتاة الإجابة على سؤال محرج!.

كذلك من الصعب أن تجد يابانياً يضحك بصوت عالي خارج حلقة الجماعة، أو أماً توبخ ابنها بكلام أو صوت عالي؛ وذلك كي يحفظوا للفرد حبه للجماعة وحياة الفريق!.

التجربة اليابانية تلك هي ما نفتقده في مجتمعنا وهي ما نحتاج إليه؛ فالفكرة القائمة لدينا تركز على قيمة العمل الفردي وبشكلها المشوه؛ فما إن تلتفت حولك حتى تجد أسماء شركات مثل: “شركة فلان وأولاده”، أو “أبناء فلان لصناعة كذا”، أو “إخوان فلان للتجارة والتصنيع” أكثر من ملاحظ، فنحن نعشق عمل المؤسسة القائم على مفهوم “الحاج، أو المعلم أو الفرد”.

وما إن تسأل أحداً عن عمله حتى يبدأ مباشرة بإخبارك عن دوره في المؤسسة، وتميزه عن أقرانه الذين هم أقل منه فهماً ووعياً، وينسى أن يتحدث عن مؤسسته ولو بكلمة واحدة… وما إن تخرج في رحلة حتى تجد كل شخص راح يهيم في جوه الخاص وطريقته الخاصة في التنزه… وما إن تحصل لدينا مناسبة حتى تلاحظ انصراف كل زمرة للاحتفال على مزاجيتها… وما إن تخرج في معسكر حتى تجد نفسك تخيم بمفردك رغم وجود الناس حولك…

كذلك، ما إن تحضر مباراة في كرة القدم أو سواها؛ حتى تلاحظ أن الجماهير كل يغني على ليلاه ويشجع بالعبارات التي يريد وبالأغاني التي يحب؛ فيضيع الحماس وتفقد أعصابك من جراء تضارب تلك الموجات الصوتية بعضها بعضاً.

الذهنية تلك أو الفردية في العمل قد آن لنا أن نتركها حتى نتخلص من عرجنا ونزيد من إنتاجيتنا، وهي حقيقة بات يدركها أكثر منظري الإدارة في الغرب –وهم مصدري ثقافة الفردية- وليس آخرهم رائد التدريب ولاعب كرة السلة الأمريكي المعروف (كريم عبد الجبار) عندما قال: “يمكن لخمسة لاعبين عاديين يعملون معاً في الملعب أن يحققوا أكثر ما يمكن لخمسة موهوبين يلعبون بمفردهم!”.

محمد كناص

بواسطة muhamad kannass