صناعة الأدمغة في معامل اللغة

اللغة والإبداع

إذا عرفنا أهمية الثروة اللغوية على المستوى الفردي وفهمنا الدور الأساسي الذي تلعبه في عملية التواصل الاجتماعي وإبداعنا وخلقنا للأفكار؛ أمكن معرفة ما يترتب على نقص هذه الحصيلة أو عجزها من سلبيات يعود أثرها على الفرد واﻟﻤﺠتمع وحضارته، فـ (هيدجر) يقول: “إن اللغة هي منزل الكائن البشري”، و(أشلي مونتاكو) يرى أنها “الواسطة المهمة التي يتحضر بها الإنسان”.

 علماء التربية وعلماء النفس يعلقون النمو العقلي للإنسان بنموه اللغوي، وأنه كلما تطورت واتسعت لغة هذا الإنسان؛ ارتقت قدراته العقلية ونما ذكاؤه وقوي تفكيره، فالفيلسوف الفرنسي (أتين كوندياك) يقول: ” إن المعارف والمفاهيم والخبرات تستمد أساساً من الإحساسات أي من خلال التجارب الحسية، ولكن الواسطة الأولى لاكتساب هذه المعارف والمفاهيم والخبرات هي اللغة”.

وإذا عرفنا أن اللغة لا تأتي إلا عن طريق القراءة المستمرة المتواصلة وخصيصاً للأدب والشعر؛ كون المفردات فيهما ترد في صور ومعان عدة، والجمل والأفكار تصاغ خلالهما بطرق مختلفة؛ الأمر الذي يجعل المتلقي حافظاً ومبدعاً وذا خيال واسع لقدرته على استخدام المفردة في أماكن مختلفة. والدليل على كلامنا هو التجربة وتاريخ الحضارات!.

 فلا ريب، أن لدى سماعك كلمة (اليابان) يتبادر إلى ذهنك فوراً صورة الدارة الإلكترونية، والدماغ الصناعية، والسيارة، والحاسب… وكل ما يحويه عالم الصفر واحد (لغة الكمبيوتر) من صرعات، وتتصور في الحال الجزر البركانية الضيقة والمكتظة بأكثر من 130 مليونا إنسانا، متشابهين كتشابه حبات العناقيد الذهبية في عرائش الخريف، يتحركون ويعملون بخفة البرق، ودقة الساعات السويسرية. ويمكن أن يخطر ببالك كل شيء عندما تذكر اليابان ما عدا شيئاً واحداً أبعد من أن تفكر فيه، وهو أن اليابان موطن للأدب والشعر والشعراء!. فاليابانيون مولعون بالشعر والأدب منذ القدم، يتبارون في نظمه وروايته وحفظه، حتى أن وسائلهم الإعلامية ملئت بفنون الشعر ومسابقاته، وصحفهم تتنافس في نشر القصائد على الصفحة الأولى، وإذاعاتهم تتفاخر ببرامج الشعر والآداب والمواهب الواعدة في ذات المجال… وقد أحصت منظمة اليونسكو أن أكثر من ألفي مجلة متخصصة بالشعر وفنونه تصدر دورياً في اليابان. الأمر الذي يجعلك تقول -دون تردد- إن تلك الأمة لا شك نجاحها مرهون بالشعر، فقرائح هؤلاء الناس تحولت إلى مصادر خلاقة لكل إبداع نتيجة فضاءات الشعر وخيالات الأدب، فالصورة الشعرية أو الأدبية هي التي توسع أفق العقل بحيث يغدو الإنسان يفكر بكل ما يحيط به من حوله بطريقة فنية، من ثم تتحول تلك الصورة الفنية (الفكرة) إلى شيء ملموس، وخير مثال على ذلك: (نيوتن) الذي كان غارقاً في تأملاته الشعرية وهو يراقب شجرة التفاح أمام داره بثمارها المدلاة كالمصابيح، عندما سقطت منها تفاحة على الأرض فاكتشف مبدأ الحاذبية. كذلك (لافوازيه) الذي كان يتأمل ميزان البقال ويفكر فنياً في جمال التوازن وروعته، فاكتشف أن استعمال الميزان في المختبر يبدل وجه الكيمياء! كذلك كولومبوس الذي خرق بحر الظلمات! ألم تكن مبادرته استجابة لمخيال الأديب الشاعر!

. إذا ما تأملنا تجارب وقصص هؤلاء ، نجد أن الانجازات وبناء الحضارة يترافقان دوماً مع نمو وازدهار الأدب والشعر، فالروح الأدبية هي التي تروض النفس على الابتكار، وتبعث فيها قوة الملاحظة وابتداع المدهش. وأن القرائح التي أشبعت بالألفاظ والصور الجملية، والأدمغة التي اختزنت أصوات وأجراس الكلمات تجعل في داخل الإنسان فضاءات ملائمة لكل خلق جديد.

عليه، ومن عقد الصلات بين الأدب واللغة والعلم يمكن فهم بعض أسباب تقصيرنا في تقديم شيء لأنفسنا ولمجتمعنا ولحضارتنا المدنية، فأين إنساننا القارئ للشعر والأدب الذي أجهضت قريحته في مطالعة اللحوم العارية على الشاشات، وأين صحافتنا الأدبية التي تكون الحاضن لبذور الإبداع، والبعيدة عن تقديم سلعة ممسوخة باللهجة العامية الابن غير الشرعي للفصحى، وأين المسابقات الشعرية التي يمكن أن تكون ميداناً للعقول الخلاقة، لا للتغني بسيقان الخيل والمغازلات المسروقة تحت عتمة الليل… وأين هي الجوائز الممنوحة لأجمل صورة شعرية وليس لأنعم شعر أنثوي، وأين هي أبيات الشعر التي تكون مدخلاً لمخيال يؤدي إلى الابتكار، وأين هي أسواق عكاز وخيمه البعيدة عن غرف العربدة في الستار أكاديمي…

غياب الجواب في هذه الحال يحتم علينا أن نقول: إننا لن نصل إلى القمر حتى يكون لدينا أدباً يتغنى بروعة الفضاء وجمال وكواكبه، ولن نحصل على القادة في مجتمعنا حتى يكون لدينا قصصاً في الخيال العلمي، ولن يكون لدينا مفكرين حتى نأكل خبز اللغة ونشرب خمرة الأدب من موائد الصحف، ولن يكون لدينا فلاسفة حتى نرمم تركة أجدادنا الفنية، ونفتح جداولنا الأدبية حتى ترفد بحارهم الشعرية.

Advertisements
بواسطة muhamad kannass

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s