الشتاء في الريف

عيون ريفية ترقب الزمن

ترى أية قصة يمكن أن يلتقطها الصحفي في حياة الريف الآمنة المطمئنة؟! بل ماذا يمكن أن يجد الكاتب في حياة سكانه الهادئة التي لا إلتواء فيها ولا تعقيد. الأيام في الريف تمر متماثلة، ولا جديد فيها؛ فالعمل صيفاً في ساحات زراعية ملتهبة، والعطالة  بعدها هي المسيطر على الأجندة اليومية الشتوية!.

وليد أحد أبناء ذاك الريف وممن يمتلكون دونمات (دونم) زراعية قليلة؛ استطاع أن يقنع نفسه بأنه كسر الروتين الشتوي القاتل من خلال عمله في دكانته، التي إمتلأت رفوفها بالغبار واحتوت القليل من السلع. وليد وضع في دكانته ثلاثة كراسي خشبية يجتمع عليها ونظرائه حول مدفأة صدئة؛ ليتناولوا أحاديثاً عن حال الزرع وترقب النشرات الجوية؛ قاطعين بذلك ساعات الصباح، ودون أن يلحظوا أن زبوناً لم يدخل عليهم!.

عشية وعند غياب الشمس، يغلق وليد دكانته من ثم يتوجه وأصدقائه إلى تلك التكية التي اعتادوا أن يلتقوا فيها؛ ليعلو هناك صوت وليد على كل لعبة ورق مع زملائه؛ تارة ثناءً على ذكاء شريكه وأخرى تذمراً من قلة تدبره، وثالثة يطلب فيها إبريق الشاي كي يزيد كأساً متخمرة!

وليد وجلسائه كغيرهم من الشبان رواد التكايا يخصصون الثلث الأخير من السهرة للحديث عن همومهم، ومخططاتهم في المستقبل، التي سرعان ما تتهدم وتتلاشى مع دخان السجائر في جو التكية المعتم! ولينفض الاجتماع بعدها بشد كل فرد لجسده يمنة ويسرة، كما لملمة علبة السجائر وتوابعها، وعلى نية اللقاء في اليوم التالي على نفس الجدول،الذي يتخلله –أحياناً- تغييراً يتجسد في تعديل نوع لعبة الورق لا أكثر ولا أقل!

حال وليد ما أشبهها بحال الكثرة الكثيرة من الناس في الريف، الذين يمكثون خلال لهوهم يترقبوا الساعات الطوال والأرض المتروكة وما في جوفها من بذور وديعة للسماء. السؤال: هل سيبقى الشتاء هناك (في الريف) طويلاً وبطيئاً؟! أم أن الصيف ستمتد أيامه لتغطي السنة، وتنتهي عقدة النشاط الموسمي؟! وهذا ليس في صالح وليد الذي قرر بيع أرضه والاستثمار في تكية تجذب الناس وتخفف عنهم ظلمة الشتاء!

Advertisements
بواسطة muhamad kannass

صناعة الأدمغة في معامل اللغة

اللغة والإبداع

إذا عرفنا أهمية الثروة اللغوية على المستوى الفردي وفهمنا الدور الأساسي الذي تلعبه في عملية التواصل الاجتماعي وإبداعنا وخلقنا للأفكار؛ أمكن معرفة ما يترتب على نقص هذه الحصيلة أو عجزها من سلبيات يعود أثرها على الفرد واﻟﻤﺠتمع وحضارته، فـ (هيدجر) يقول: “إن اللغة هي منزل الكائن البشري”، و(أشلي مونتاكو) يرى أنها “الواسطة المهمة التي يتحضر بها الإنسان”.

 علماء التربية وعلماء النفس يعلقون النمو العقلي للإنسان بنموه اللغوي، وأنه كلما تطورت واتسعت لغة هذا الإنسان؛ ارتقت قدراته العقلية ونما ذكاؤه وقوي تفكيره، فالفيلسوف الفرنسي (أتين كوندياك) يقول: ” إن المعارف والمفاهيم والخبرات تستمد أساساً من الإحساسات أي من خلال التجارب الحسية، ولكن الواسطة الأولى لاكتساب هذه المعارف والمفاهيم والخبرات هي اللغة”.

وإذا عرفنا أن اللغة لا تأتي إلا عن طريق القراءة المستمرة المتواصلة وخصيصاً للأدب والشعر؛ كون المفردات فيهما ترد في صور ومعان عدة، والجمل والأفكار تصاغ خلالهما بطرق مختلفة؛ الأمر الذي يجعل المتلقي حافظاً ومبدعاً وذا خيال واسع لقدرته على استخدام المفردة في أماكن مختلفة. والدليل على كلامنا هو التجربة وتاريخ الحضارات!.

 فلا ريب، أن لدى سماعك كلمة (اليابان) يتبادر إلى ذهنك فوراً صورة الدارة الإلكترونية، والدماغ الصناعية، والسيارة، والحاسب… وكل ما يحويه عالم الصفر واحد (لغة الكمبيوتر) من صرعات، وتتصور في الحال الجزر البركانية الضيقة والمكتظة بأكثر من 130 مليونا إنسانا، متشابهين كتشابه حبات العناقيد الذهبية في عرائش الخريف، يتحركون ويعملون بخفة البرق، ودقة الساعات السويسرية. ويمكن أن يخطر ببالك كل شيء عندما تذكر اليابان ما عدا شيئاً واحداً أبعد من أن تفكر فيه، وهو أن اليابان موطن للأدب والشعر والشعراء!. فاليابانيون مولعون بالشعر والأدب منذ القدم، يتبارون في نظمه وروايته وحفظه، حتى أن وسائلهم الإعلامية ملئت بفنون الشعر ومسابقاته، وصحفهم تتنافس في نشر القصائد على الصفحة الأولى، وإذاعاتهم تتفاخر ببرامج الشعر والآداب والمواهب الواعدة في ذات المجال… وقد أحصت منظمة اليونسكو أن أكثر من ألفي مجلة متخصصة بالشعر وفنونه تصدر دورياً في اليابان. الأمر الذي يجعلك تقول -دون تردد- إن تلك الأمة لا شك نجاحها مرهون بالشعر، فقرائح هؤلاء الناس تحولت إلى مصادر خلاقة لكل إبداع نتيجة فضاءات الشعر وخيالات الأدب، فالصورة الشعرية أو الأدبية هي التي توسع أفق العقل بحيث يغدو الإنسان يفكر بكل ما يحيط به من حوله بطريقة فنية، من ثم تتحول تلك الصورة الفنية (الفكرة) إلى شيء ملموس، وخير مثال على ذلك: (نيوتن) الذي كان غارقاً في تأملاته الشعرية وهو يراقب شجرة التفاح أمام داره بثمارها المدلاة كالمصابيح، عندما سقطت منها تفاحة على الأرض فاكتشف مبدأ الحاذبية. كذلك (لافوازيه) الذي كان يتأمل ميزان البقال ويفكر فنياً في جمال التوازن وروعته، فاكتشف أن استعمال الميزان في المختبر يبدل وجه الكيمياء! كذلك كولومبوس الذي خرق بحر الظلمات! ألم تكن مبادرته استجابة لمخيال الأديب الشاعر!

. إذا ما تأملنا تجارب وقصص هؤلاء ، نجد أن الانجازات وبناء الحضارة يترافقان دوماً مع نمو وازدهار الأدب والشعر، فالروح الأدبية هي التي تروض النفس على الابتكار، وتبعث فيها قوة الملاحظة وابتداع المدهش. وأن القرائح التي أشبعت بالألفاظ والصور الجملية، والأدمغة التي اختزنت أصوات وأجراس الكلمات تجعل في داخل الإنسان فضاءات ملائمة لكل خلق جديد.

عليه، ومن عقد الصلات بين الأدب واللغة والعلم يمكن فهم بعض أسباب تقصيرنا في تقديم شيء لأنفسنا ولمجتمعنا ولحضارتنا المدنية، فأين إنساننا القارئ للشعر والأدب الذي أجهضت قريحته في مطالعة اللحوم العارية على الشاشات، وأين صحافتنا الأدبية التي تكون الحاضن لبذور الإبداع، والبعيدة عن تقديم سلعة ممسوخة باللهجة العامية الابن غير الشرعي للفصحى، وأين المسابقات الشعرية التي يمكن أن تكون ميداناً للعقول الخلاقة، لا للتغني بسيقان الخيل والمغازلات المسروقة تحت عتمة الليل… وأين هي الجوائز الممنوحة لأجمل صورة شعرية وليس لأنعم شعر أنثوي، وأين هي أبيات الشعر التي تكون مدخلاً لمخيال يؤدي إلى الابتكار، وأين هي أسواق عكاز وخيمه البعيدة عن غرف العربدة في الستار أكاديمي…

غياب الجواب في هذه الحال يحتم علينا أن نقول: إننا لن نصل إلى القمر حتى يكون لدينا أدباً يتغنى بروعة الفضاء وجمال وكواكبه، ولن نحصل على القادة في مجتمعنا حتى يكون لدينا قصصاً في الخيال العلمي، ولن يكون لدينا مفكرين حتى نأكل خبز اللغة ونشرب خمرة الأدب من موائد الصحف، ولن يكون لدينا فلاسفة حتى نرمم تركة أجدادنا الفنية، ونفتح جداولنا الأدبية حتى ترفد بحارهم الشعرية.

بواسطة muhamad kannass

كلام في سائق تاكسي!

على طلبك

تكاد تكون الرحلة الوحيدة في سيارة التكسي التي لم أنظر فيها إلى الساعة؛ ويكاد يكون المسار الوحيد في شوارع دمشق الذي لم اتبرم خلاله مللاً وكرهاً من كل ما يحيط بي؛ فقد أقلني إلى مركز انطلاق البولمان سائق تكسي ليس ككل من امتهن هذه الصنعة؛ إذ كنت بصحبة شخص يحمل (الليسانس) في اللغة العربية، وقد امتلك قريحة شعرية مكنته من كتابة شعراً يطرب الآذان ويرهف الإحساس؛ فقد أسمعني كلاماً بـ (فلسطين، والفرات، وبردى، وطفولته، وزوجته…)، ما أضفى علي حينها راحة نفسية بعد توتر لمدة 3 ساعات في أجواء امتحانية سرقت مني الابتسامة لصعوبة الأسئلة!.

 وقوفي على ثقافة ذاك السائق وإتقانه فن التعامل مع الزبون أنساني كل القرارات الحكومية المتعلقة بشكليات سيارة التكسي من موديلها ونوعها؛ إذ ما نفع ركوبي في تكسي الأجرة من ماركة المرسيدس –أسوة ببلد مجاور- إن كان السائق ليس متقناً لمهارة احترام خصوصية الزبون فقط ضمن هيكل التكسي، كأن يمتنع عن الحديث معك حول: ( نوع عملك، وراتبك، ومشاق الحياة، وتكاليف المعيشة…!)، وأنا لا أقول بإتقان مهارة التعامل خارج التكسي: (كأن ينزل ويحمل لك الحقائب، ويفتح لك الباب… فهذه تعتبر لدى البعض مبالغة، لكنها حقيقة وثقافة ليس فقط في البلدان المتقدمة).

كما لا أُلمح إلى أن يكون سائقوا سيارات التكسي من حملة الشهادات أو أصحاب قرائح شعرية؛ إنما –على الأقل- يُلزموا بمشغلات صوتية بناء على طلب الزبون ورغبته، وليس صوتياتهم الخاصة التي غالباً ما تكون موضوع سهراتهم الحمراء أو حفلات كازينوهات كانوا قد حضروها… كما المحافظة على نظافة المقاعد التي غالباً ما تحفل بأوساخ متراكمة؛ نتيجة استخدام السائق للكراسي كبديل عن صندوق السيارة الخلفي لحمل حقائب الزبون…!

أخيراً، ورداً على كلام ذاك السائق الذي كنت برفقته،عندما قال لي: “أتمنى أن تعود سالماً إلى وطنك ويعودك الأحباب”، أجيب ثانيةً: “دمت على رأس عملك  يا سيدي”!.

بواسطة muhamad kannass

احتراق الأصابع المخملية

حرقة الشباب

دكانة بواجهة خشبية، أمتارها المربعة كانت قد حيزت بإيجار سنوي، شغلها أب وخمسة أولاد تبادلوا سنوات العمر تباعاً، فالصغير في التاسعة والأكبر في العشرين من عمره. على رصيف الدكانة، نُصب ذاك الجرن الذي كان يَعصر رزق تلك العائلة مما يقدمه من أقراص (فلافل) بعدما تحمر تحت حرارة زيته.

على الجرن، كان الشاب الأكبر والذي لقب بـ “المختار” قد قلب كافة الاحتمالات التي يمكن أن تنشله مما هو فيه من ضيق العيش والغد المظلم… إلى أن أخبره شيطان فكره عن كنوز مدينة الضباب ومفاتنها، لتسدير عيناه وتتعرض شفاه كإشارة أولى لقبوله الفكرة.

بالفعل وبعد مسيرة قليلة للزمن، أطلق ذاك الشاب وسط إحدى الساحات في العاصمة الإنكليزية صرخة قال فيها: “المختار في لندن”، معلناً قدومه إليها وضارباً جرس بدء حياة أخرى جديدة…

لكن الأمر لم يكن كما خيلت له بنات أفكاره، فتسع سنوات قضاها متخفياً عن البوليس… تسع سنوات لم تجف يديه من الماء والصابون في مطابخ لندن… تسع سنوات أرهقت لسانه بألفاظ الإتيكيت الإنكليزية، بعدما اعتاد لهجته الريفية… تسع سنوات فرطت عقد تفكيره بتفاصيل المعيشة في لندن، وكان قد ألف البساطة…

أنهى ذاك الشاب فصول حياته هناك وعاد بأوراق نقدية خضراء زرع فيها أمله بحياة طيبة مع زوجة كريمة، لكن القدر كان أقدر، فتلك الدراهم قد صرفت على زيجة انتهت بعد عشرة أيام، لتعلن مرة أخرى بداية مأساوية “للمختار” الذي اضطر العودة إلى مدينة الضباب ليأتي بالإسترليني من جديد!

 فهل ستكفي سني عمره للمحاولة ثانية؟ ثم هل سيتكرر القدر بصورة أخرى وتبدو خارطة الحياة حينها أكثر سوءاً؟!… أسئلة حملها ذاك الشاب مع حقائبه ولا زالت تعيش معه في عمله، تاركاً لنا تساؤلات أكثر، تترد صورها على أذهاننا، مثل، هل هو الشخص الوحيد الذي عانى ما عانى؟ وهل لندن البلد الوحيد التي تحرق سني عمر شبابنا؟ وهل سيسمح آخرون ولذات الشيطان الذي وسوس “للمختار” أن يدخل لأعماقهم ويقتعنهم بذات الفكرة؟ وهل سفر كهذا مشروع جيد لبناء حياة؟…

الجواب كان عند نفس الشخص عاثر الحظ، المختار، فقد منع أخيه الذي يصغره سناً من السفر إلى لندن، قائلاً له: تحرّقْ بالزيت في بلدك، ولا تأتي إلى بلد يحرقك بأصابع مخملية.

بواسطة muhamad kannass

الفقر مر… لكن الحكاية أمر!

حب المال يعمي البصر

يحكى أن طفلاً فقيراً كان يرتدي أحذية إخوته الذين أكبر منه، وكان هذا الطفل يشعر بالراحة في قدميه، وحرية في حركته… ولم يكن يجد في نفسه حرجاً من ذلك، إلا أنه أخذ يستشعر فيما بعد زملاءه في المدرسة يبحثون عنه بنظراتهم ليتفرجوا عليه وحذائه الطويل؛ فراح ذاك الطفل أول من يدخل الفصل… وآخر من يخرج منه؛ وعرف حينها كم نظرة العين قاسية… قاتلة… فيمكن أن تقول أكثر وأشد مما يقول اللسان… بل إن الذين رأوا وقالوا، لم يعد عندهم ما يقولونه… أما هؤلاء الذين يرون ولا يقولون فهم أكثر كلاماً وأشد إيلاماً…

كم دمرت تلك النظرة بيوت أناس آمنين، كم دفعت تلك النظرة أناساً إلى طرق أبواب أشخاص لئيمين، أدوا أدواراً أزاحوا بها ما كان مستوراً، ونهبوا ما كان يعين على الحياة أرواح بشر كانوا راضين بعيشة الكفاف.

ما أشبه حال الطفل بحال بلدة كان يهنأ أهلها بكفاف حالهم وإن لم نقل بفقرهم، لولا تبدل بعض القيم، ووجود أولئك الدائنين أصحاب اللافتات التجارية الذين أعلنوا خيراً وأضمروا شراً، ففي ريف لا يزيد تعداد سكانه عن 30 ألفاً راح مجموعة من ذوي الرؤوس الماكرة يستغلون عند الشاب خجله من فقره، وطموحه بحال جيدة حيناً، ولدى المزارع خوفه على محصوله، ولدى أرملة حرصها على صغارها أكثر الأحيان. فهؤلاء امتلكوا ابتسامات، وكؤوس ضيافة، وكلاماً معسولاً أخفوا فيه عواقب دعواهم، “غداً تبدأ بحصاد نتاج مشروعك وتبدأ بتسديد ما عليك من ديون، وتصبح الزير في مكتبك…” كلام يردده هؤلاء كي تقتنع بالاستدانة من عندهم بفوائد أقل ما يقال عنها “فاحشة”، إذ يتقاضوا على كل 100 ليرة 30 أخرى في كل حول يمر عليها!، وهذه نسبة تقتل كل أمل في سداد الديون لو أن العقل أعمل بها قليلاً، فكيف سوف تؤدى المليون ليرة إن كان ضريبتها السنوية 300 ألف ليرة، وكيف سيؤدى رقم دين أكبر من ذلك. أصحاب المحال التجارية تلك يعملون بواجهات قانونية وبرخص معترف بها، فهم-في معظم الأحيان- يبيعونك سيارة ثم يشترونها منك قبل أن تغادر عتبة المكتب، لكن بسعر ينقص عن ثمنها الحقيقي بـ 150  ألف ليرة سورية ويزيد، ويعطونك ثمنها -الذي لا تملك أصلاً منه شيء- نقداً بعد أن يكتبوا عليك سنداً ينوء عن سداده الكاهل، “فمن رهن لعقار، إلى رهن للمنزل، إلى بصمة للزوجة كي يتم جرجرتها إلى المحاكم في حال أنت أخلفت السداد…”.

القصص في ذاك الريف عن إفلاس أشخاص أغرب من قصة الإفلاس لبعض البنوك العالمية في الفترة الأخيرة، فلا تكاد تمر أيام إلا وتسمع أن أحد هؤلاء المرابين (الدائنين) قد حصد أرزاق زيد أو عبيد؛ نتيجة تراكم فاتورتهم في سداد الديون المستحقة، وليس آخر تلك القصص وأغربها أن رجلاً ممن تورطوا بالاستدانة من هؤلاء قد طرق باب جاره يستجديه رغيف خبز أو بيضاً لضيوفه؛ كناية عن خسارته كل يملك من عقار مساحته 20 ألف متراً، حتى بيته الذي كان ينتظره فيه الدائنون ليوقع على سند تمليكه إياهم.

  إلى متى سيترك شبابنا عقولهم خلف عواطفهم، وإلى متى سيبقى أصحاب النفوس الميتة يستغلون ذلك؟ أليس في دبلوماسية ذاك الطفل خير معين على فقر الحال وغيره، من أن ترتدي ثوباً لا يقي برد الحياة؟!.

بواسطة muhamad kannass

السلال الفارغة وقصة العبور إلى اليونان

أين الوطن؟

شمالي سورية وعلى كتف الريف الجميل، لعب غياث الثلاثيني العمر كرة القدم مع فريق مدينته، وبين عينيه حلم صعود ناديه إلى الدرجة الممتازة، فاجتهد وزملاؤه أن يسكن ساحرة الجماهير شباك الخصم، إلا أن الظروف رمت به إلى أسوأ الطالع، فالجري وراء الكرة وتلقيها على الصدر ومن ثم إرسالها إلى نصف ملعب الند، لم يخل ساحة غياث من هموم الدنيا، ما فرض عليه قرار ترك البساط الأخضر الذي طالما بخل عليه بالمال، ليجري على أرض غيره طلباً للرزق.

أيام طوال حرقها ذاك الشاب وهو يبحث، ماذا يعمل إلى أين يذهب، ليستقر بعدها شيطان فكره على قرار يقضي بالسفر إلى اليونان.

 بالفعل، عند فجر صباح باكر ودع غياث زوجته وقبل طفله، ليخرج بعدها وما يملك سوى كيساً بلاستيكياً فيه ثبوتياته الشخصية لا غير، والسبب، أن رحلة الأحلام تلك ستكون سباحة، يقطع خلالها نهراً يفصل تركية عن اليونان ومستخدما لذلك حبلاً يصل بين الضفتين، كان قد ربطه مهرَبوا تلك الرحلة، وليمشي بعدها مدة خمس ساعات حتى يصل أول مدينة من تلك البلاد، وأخيراً، اجتاز غياث تلك العذابات ووصل أرض الذهب وعمل فيها فترة من الزمن، ليعود بعدها والفرحة تملأ عينيه فما كان يرجوه وصل إليه والمال المطلوب قد حصل عليه، فابتاع أرضاً وبنى عليها “محلاً” ليقتات منه، إلا أن النقود شارفت على النفاذ وغدا رأسمال المشروع ليس بكاف، ما كان يعني لغياث أن الطريق مازالت في منتصفها، وعليه العودة إلى أرض الثراء تلك ليأتي بالمال وينهي المشوار، إلا أن عودته الثانية لم تكن كسفره الأول، فبعد دخول الأراضي التركية ووصوله مع زملائه النهر، انقطعت أخباره، وعلا هدير الماء، ليترك في الأجواء أصداء أسئلة تقول: هل اجتاز غياث النهر؟ هل أفلت من الحبل؟ هل وصل بلاد اليونان؟…؟.

أسئلة لم تجد لها عائلة ذاك الشاب حتى الآن من مجيب، وهي تغلي في صدر أسرته صباح مساء، بل هذه الحال ليست بغريبة على كثير من الآباء والأمهات في تلك المدينة وضواحيها، لكن الاختلاف ربما في أسباب فقدهم أبنائهم في تلك الرحلة، التي في أحيان أخرى تستخدم البحر للوصول إلى اليونان، فذاك المركب المسمى “بالان” وقد ملأه الهواء، كثيراً ما أغرى الشباب السفر على متنه، وغالباً ما انتهت دعوته بثقب في سطحه أو بدوامة بحرية، والقارب الآخر “اللنش”تكررت مناسبات اغتياله للمسافرين على ظهره عندما يتفسخ وينكسر في عرض البحر بأربعين من الأرواح، ذلك أنه صمم لعشرين شخص فقط، ليقدم بذلك وجبة شهية لأسماك القرش تنهش ما لذ وطاب من أجساد بشرٍ حلموا ذات يوم أن يأكلوا كفافاً من طعام الدنيا.

السؤال: هل سيتم محاسبة ذاك النهر والقارب على فعلتهم؟
أم يتم ملاحقة أسباب الهجرة والقضاء عليها؟ أو هل سيلجأ لهذا الطريق كل من لم يحقق هدفه أو حلمه في الحياة، وما أكثرهم خريجوا الجامعات الذين كسرت أحلامهم على صخرة الواقع وسندان البطالة؟

أسئلة غير مكتملة، لكن السؤال الأهم هو الذي طرح على غياث من زوجته،
متى ستعود إلى البيت؟.        

بواسطة muhamad kannass

شبكات التواصل الاجتماعي… ثقافات مفتوحة المصدر

صداقات عابرة للقارات

“شكراً حسن… شكراً سوريا… شكراً أيها الشعب الطيب”

العبارة السابقة هي من بروفسورة إنكليزية، كانت قدلصقتها على جدار غرفة حسن، الشاب العشريني الذي استضافها مؤخراً في سوريا؛ ضمن إطار التواصل عبر الشبكات الاجتماعية على الإنترنت. تلك الشبكات التيبرزت مؤخراً بشكل ملحوظ،فغدت تجمعاً بشرياً إلكترونياً ضخماً، يتم خلاله تداول ملايين المعلومات بين المشتركين من مختلف الجنسيات- عن بلدانهم وثقافاتهم ونشاطاتهم. بالإضافة إلى تبادلهم الزيارات إلى بلدان بعضهم البعض.

فما إن تدخل غرفة ذاك الشاب حتى تذهل بتواقيع الثناء والشكر على الجدران-التي تركها من زار حسن-لسوريا، ولشعبها، وثقافتها، وحضارتها؛ وكأن حالها يقول:هنا اجتمع الأسود مع الأبيض، وهنا تقاسم كعكة الإفطار أبناء الشرق مع أبناء الغرب، وهنا تمت صلوات الديانات السماوية والأرضية، وهنا إلتقى أبناء الساموراي مع أحفاد تشي غيفارا… ناهيك عن الملف الشخصي لحسن على الشبكات الاجتماعية الذي لا يقل شأناً عن حال الجدران في تلك الغرفة؛ فالأثر الذي حققه حسن في نفوس من استضافهم عن البلد (سوريا) تعجز عن تحقيقه الكثير من مؤسسات العلاقات العامة!.

يخرج حسن في نهاية الأسبوع، وفي المناسبات، والأعياد… مع أصدقائه لاستقبال من تعرفوا عليهم خلال تلك الشبكات-مثل: (كاوج سارف، فيس بوك، تويتر…)-، ومن ثم يجولون سياحة على أبرز معالم البلد، ويتعرفوا على ثقافات مجتمعاتهم من عادات وتقاليد، وأساليب الحياة في الطبخ واللبس والأفراح والأتراح…كما يتبادلوا الصور والهدايا والكتب،بل الأهم، تلك المذكرات التي يتركونها لبعضهم البعض على أشهر مواقع الإنترنت والتي يزورها ملايين المسخدمين. تلك الكتابات يكون عنوانها انطباعات ورأي كل طرف عن البلد الذي زاره: شعباً، وثقافة، وحضارة، وعن صفات وأخلاق الشخص الذي استقبله؛ الأمر الذي يدفع من يقرأها إلى التواصل مع أصحابها وبالتالي نشوء علاقات أوسع، وزيارات متبادلة أكثر.

حال حسن لا تختلف عن أوضاع الكثيرين من الشباب، الذين أخذوا يتلقفون هذه الهواية والنشاط أكثر فأكثر، فغدوا مُطلقي العنان في بناء صداقاتلا تقف عند حدود جغرافية معينة. وأصبحوا أكثر مشاركة في بناء صورة البلد الثقافية،التي –ومن خلال هذا المفهوم-  باتت مفتوحة المصدر يعمل على رسمها كل من إمتلك حاسباً وخطاً للإنترنت وعنواناً لإحدى الشبكات الاجتماعية الإلكترونية؛ الأمر الذي يحتم علينا تساؤلات عن أفق هذه الشبكات ومستقبلها والكيفية المثلى للتعامل معها تربوياً وثقافياً…؛ فالكلام بين هؤلاء الشباب يكثر عن تأثرهم، وتأثيرهم بمن استقبلوا من أشخاص وعلى كل المستويات؛ لا سيماوقد تحدث حسن ذاك الشاب عن عدول إحدى المُدرسات الجامعية -ممن استضافهم-عن قرارها بعدم إنجاب الأطفال بعدما ما رأته من نموذجية العلاقات الاجتماعية الأسرية في هذا البلد. وعن ولعه بالأدب اللاتيني نتيجة رزمة روايات كان قد أهداه إياها أحد أصدقائه الإسبانيين.

بواسطة muhamad kannass