أصدقائي الطيبين… مدونة “كلمـــة إنســــان” في غفوة حالياً لا أكثر ولا أقل، والسبب هو الأحداث الجارية في سورية؛ وما ترتب على ذلك من العمل غير الطبيعي لشبكة الانترنت…
الأمل معقود على مستقبل مستقر لسورية وحياة آمنة لأبنائها
أصدقائي الطيبين… مدونة “كلمـــة إنســــان” في غفوة حالياً لا أكثر ولا أقل، والسبب هو الأحداث الجارية في سورية؛ وما ترتب على ذلك من العمل غير الطبيعي لشبكة الانترنت…
الأمل معقود على مستقبل مستقر لسورية وحياة آمنة لأبنائها

فرصة لتكون مذيعاً!
وصل مؤخراً إلى يد مجموعة من الشبان الصحفيين المتخريجين حديثاً إعلان نشر في إحدى الصحف التسويقية، يقول: “إن مركزاً إعلامياً سورياً يطلب مذيعين ومذيعات!”.
الصحفيون هؤلاء لم يترددوا بالاتصال على الرقم الذي كان قد دون أسفل الإعلان؛ لتجيب حينها إحدى العاملات هناك وبصوت ناعم وهادئ أكدت صدق طلب المركز وحاجته، وسألتهم إن كانوا يرغبون بتحديد موعد للمقابلة والاختبار!، وبالفعل، ودون تأخير قبل الصحفيون ذلك؛ على أمل الظفر بتلك الفرصة وتحسين أوضاعهم، فحالهم في المؤسسات الصحفية التي يعملون بها ليس أفضل بكثير من منصب كاتب العدل في المحكمة!.
بدأت تلك المجموعة تختبر خاماتها الصوتية وتتدرب على قراءة الأخبار، واجتهد هؤلاء الشباب على أمل تحسين فرص نجاحهم، فالإذاعات التي سيتقدمون لها هي من النوع الجدي وليست بصحافة صفراء، كما قالت تلك الموظفة!.
عند الساعة السادسة – موعد المقابلة- وصل هؤلاء الصحفيون المركز الذي سمى نفسه “مركز الإنتاج الإعلامي والتلفزيوني” ليتفاجأوا بمكانه الغريب القائم تحت إحدى الأبنية في قبو إلى جانب مشغل للخياطة! فاختلط الصحفيون بالعمال، وضاع مدرب المركز ومعلم الورشة.
في قاعة الانتظار، تأخر دخول تلك المجموعة إلى الاختبار أكثر من ساعة، والخبير ذو الجديلة الصفراء والقائم على الاختبارات كان في دخوله وخروجه يطلب من هؤلاء الصحفيين العذر على سوء تحديد المركز للموعد؛ فازداد غيظ المجموعة وتبرموا بحالهم، إلى أن حانت ساعة الصفر؛ فدخلوا إلى غرفة العزل الصوتي ليقدم كل واحد منهم اختباره ممزوجاً بالحالة التي كان يعيشها؛ فتارة خبر فيه لهجة غضب، وآخر ممزوج بخيبة أمل بسبب الانخداع بمستوى المركز، وثالث فيه استعجال وكأنه يريد الخلاص من تلك الحالة…!.
الخبير وبعد تلك الامتحانات طلب من المجموعة الحضور ثانية من أجل لقاء تقييمي آخر تقوم به “المدام…” مديرة المركز وصاحبة الباع في الإعلام الوطني المحلي، على حد وصفه! وبالفعل، قرر هؤلاء الصحفيون العودة ثانية لتشوقهم إلى معرفة ورؤية شخصية “المدام…” الفاعلة في العمل الإذاعي! وليفهموا أكثر طبيعة المركز وحقيقة طلبهم لمذيعين.
بعد يومين، وعند الساعة السادسة وصل الصحفيون الشباب وفي جعبتهم أكثر من ردة فعل لتلك الخبيرة، فإن كانت متذاكية أو متفاهمة وتتسلى؛ سيعلموها كيف تعبث مع أبناء صاحبة الجلالة (السلطة الرابعة)، وإن كانت صادقة في طلبها لمذيعين؛ سيعلموها كيف يتم احترام المواعيد خصوصاً مع الصحفيين الذين لا يتركوا تفصيلاً يمر مرور الكرام!.
وصلت الخبيرة، والمدام، ومديرة المركز، والإعلامية المحلية المخضرمة وهي تحمل ساعة نحس معها؛ إذ لسوء حظها وحظ المجموعة أنها كانت من النوع الأول في قائمة الاحتمالات، فقد أرادت من إعلان مركزها ذلك “الحاجة إلى مذيعين…” العبث مع الصحفيين وأن تسوق مركزها كي يخضعوا لدورات؛ على أمل أن يجدوا فرصة عمل في إحدى التلفزات والمحطات من معارفها!.
فاض الكيل لدى المجموعة، وبدأ هؤلاء الشبان بالانتقام من تلك الإعلامية المعروفة؛ فراحوا يسألوها عن أخطائهم في الاختبار وعن رأيها في ذلك وهي تجيب بما آتاها الله من ذكاء، إلى أن سأل أحدهم عن “الصوت الحلزوني لدى المذيع” وكيفية التخلص منه؛ لتجيب حينها بضحكة ملأت جو المقابلة نافية وجود هكذا تسمية في دراسة الإذاعة والأصوات!، ولترجوا من تلك المجموعة أن يكفوا عن الهزار حتى لا تؤذي نفسها من الضحك خصوصاً وأنها خرجت من عملية جراحية حديثاً، والقُطب لا تزال طرية!.
أحست تلك الإعلامية المتذاكية بعد وقت أنها أمام أشخاص ليسوا بمغفلين؛ فقد ازدادوا في طرح أسئلة عن طبيعة الدورة (الكورس) والمعدات التي ستستخدمها في تحسين مستوى الأداء ومدى الفائدة التي سيحصلون عليها، فانفعلت وخرجت عن طورها وطلبت من المجموعة الانصراف؛ خصوصاً وأن أحد أفراد المجموعة سألها ثانية عن مدى فعالية الدورة (الكورس) في التخلص من “الصوت الحلزوني!”.
خرج هؤلاء الصحفيون وعلى محياهم ملامح الغضب ليس فقط على المركز المخادع، بل وعلى بعض مدرسيهم سابقاً في كلية الإعلام بجامعة دمشق؛ لأنهم ممن عملوا ودربوا في ذلك المركز، ولأنهم زينوا جدرانه بصورهم وهم يحتفلون بتخريج طلاب خضعوا لدورات فيه!.
ختاماً، حاسبوا ذلك المركز الذي حاول ويحاول ابتزاز الصحفيين وأموالهم تحت واجهة إعلانات كاذبة، وحاسبوا ذلك المعلن الذي نشر لهم، واقنعوا هؤلاء الدكاترة في كلية الإعلام بعدم التعامل معهم ثانية؛ وإلا سيغدو حرم الصحافة نهباً لكل متسلق أفاك!.
محمد كناص

باحثون وباحثات!
لا أظن أن الشياطين كانت متعاونة مع نيوتن عندما اخترع قانون الجاذبية؛ بل، من المؤكد كان في خصام معها ويعيش بحالة وئام مع الذهن الصافي والقريحة المُطلقة العِنان؛ إذ ابتدع ذلك العبقري قانونه وهو غارق في تأملاته الجمالية لشجرة تفاح أمام بيته، ولثمارها التي تدلت كأجراس الفرح في أيدي الأطفال!.
التفكير الهادئ، وغياب القلق، وهدوء الأعصاب، وبساطة الهموم، وبيئة صحية، ومسكن نظيف، وغذاء غني… فقط، هي ما ينقص طلاب الدراسات العليا في سكنهم الجامعي بجامعة دمشق!؛ حتى يصلوا إلى حالة (نيوتن) الفنية ويبدعوا قوانيناً ونظريات ومؤلفات تخدم مجتمعنا الخام، والذي يرزح تحت وطأة نقص فيتامين العقول الخلاقة والخدمية!.
الجدران الصامتة، والإضاءة الحزينة، والضوضاء التي تسرق الهدوء من أذني الشخص، والأبواب والألوان والأرضيات التي حفظت ذكريات أجيال عدة تشكل البيئة الممنوحة في سكن الدراسات العليا بجامعة دمشق؛ ليعيش فيها الطلاب (الباحثون) الذين ننتظر منهم ما يخدم البلد ويرقى بنا إلى مصاف آخر دولة متقدمة وليس إلى أول!.
فكيف للباحث في كلية الإعلام أن يختبر إحدى نظريات الاتصال وهو معزول عن العالم الخارجي لغياب الانترنت في مسكنه، ثم كيف للباحث في كلية الهندسة المدنية أن يصل إل بناء الجسور المعقدة إذ كان استلهامه يأتي من الأخطاء الهندسية لذاك المسكن، وكيف لطالب الدراسات العليا في كلية التربية أن يصل إلى اختبار فروضه التربوية إذا كان يعيش إلى جوار حديقة للقاء العشاق على مدار اليوم، وكيف للباحث في علم الفنون أن يصل إلى مقدمات الجمال إذ كان يعيش في بيئة مشوه بصرياً، وكيف للباحث في علوم المجتمع أن يصل إلى تفسير أو فرض إذ كان يعيش في تجمع بشري خاطئ…!.
القائمة عن تلك الضيافة للباحثين والباحثات لا تنتهي، لتؤكد يوماً بعد يوم أن شيئاً لمجتمعنا لن يُقدم من قبل هؤلاء الطلاب حتى يمنحوا فرصة (نيوتن) وأخرى شبيه بفرصة (لافوازيه) الذي عرف أن التوازن يبدل وجه الكيمياء من خلال تأمله لميزان البقال على ظهر الحمار!.
محمد كناص

الزواج مؤجل إلى حين!
يُروى أن (الريان بن حويص العبدي) كان قد جعل فرسه التي سماها (هراوة) وقفاً للفقراء والمحتاجين يقدمها لهم؛ كي يقوموا بغاراتهم أو سباقاتهم ليحصلوا على أرزاقهم… واستمر العبدي على هذه الحال في إعارة فرسه للبائسين حتى جعلها فيما بعد تحت طائلة طلب العزاب من الشباب الذين يريدون أن يتزوجوا؛ ليؤمنوا من تعبها (الفرس) مطالب الزفاف ومصروف العروس. فذهبت تلك الخيل مثلاً لدى الأعراب فقيل: “أعز من هرواة الأعزاب!”.
شبابنا في الوقت الراهن هم في أشد الحاجة إليك يا (ريان بن حويص العبدي)؛ إذ لم يعد بمقدورهم الزواج لثقل تكاليفه وانعدام الحيلة من حولهم، فمن يُشبهك يا (عبدي) من رجال الأعمال في هذا الزمان وأصحاب الهم والحكومة معهم أداروا ظهورهم لهؤلاء الشباب، وتركوهم في شأنهم وحيدين يتدبرون أمرهم في غالب الأحيان بالطرق المنحرفة ولدى بنات الليل…!.
يا (عبدي!)… الزواج في مجتمعنا يحتاج إلى فرسك، وإلى أناس يمتلكون فهمك وتفكيرك؛ فانعدام الرؤية الصحيحة لدى أهل الفتاة عن الزواج ومفهومه الراقي؛ جعلهم يفكرون بمصلحة ابنتهم فقط دون مصلحة زوجها، فأخذوا يحملون الشاب الذي يقبل على الزواج قوائم (إذلالية) بطلبات ابنتهم ورغباتها حتى جعلوا منه عبداً وليس زوجاً…!.
أيها المجتمع رفقاً بشبابنا، ورفقاً بالبنات وبالأبناء؛ فليس عدلاً أننا قي الألفية الثالثة أن نتبع أساليباً في بناء الأسر ترفع عنها المجتمع الجاهلي… ودعونا ألا نجعل زواج شبابنا أكبر هم عندهم فهو وسيلة للرقي بالمجتمع وليس غاية!.
المحافظة على المجتمع تبدأ من زواج الشباب، وهذه ليست فلسفتي إنما هي نصيحة سماوية جاء بها الأنبياء، وكان آخرهم رسول العرب (محمد عليه السلام) عندما أمر بتزويج الشباب لدى دخول الأول لمكة فاتحاً!.
إذاً، لنهجر من أجل شبابنا تقاليدنا البالية في المهر والبيت وملبس العروس، وليكون رأينا في زواج أبنائنا خطوة للحفاظ عليهم وليس خبطة قوية على ظهورهم، وحينها نتذكر سجايا (العبدي) في القصص التي نقرأها قبل النوم، ونترفع عن استجداء المساعدة من الحكومة أو أقرانها من رجال الأعمال الذين تزوجوا أموالهم وأفكارهم على المذهب الأرثوذوكسي!.
محمد كناص

محروسة يا بنت الوطن!
رأسمال حياته هم وعمل يتسلل إلى قلبه مع كل إشراقه للشمس، (نهاد)، أب لأربعة أولاد وصاحب طرطيرة ينقل عليها متاع الناس إلى بيوتهم وكثيراً من أساسيات ورش العمل، لا بل غالباً ما يحمل أشخاصاً يودون التنقل من مكان لآخر جاعلاً منها وسيلة نقل بمثابة تكسي الأجرة؛ ليجني عند غروب الشمس يوميته ويعود بها إلى البيت كسبب يعينه وأطفاله على العيش، وهذه الحال لا زال عليها ذاك الكهل منذ 15 عشرة سنة.
الابتكار المحلي ذاك يشكل عصب حياة لعائلة نهاد؛ ما يعني أن يوليها عناية خاصة ويؤدي زيارات مستمرة لمحال التصليح للاطمئنان على أحوالها وتلافي ما عُطب فيها، وغالباً ما ينتج عن دفع ثمن الصيانة حرمان العائلة من إحدى وجبات اليوم، لكن، تكون أجمل لحظات الأولاد عندما يروا الطرطيرة نظيفة بعد حمام يعمله لها الوالد على باب المنزل، فذلك يعتبر إيذاناً بأن الأسرة ستذهب في رحلة ترى فيها عالماً يبعد عن المنزل أكثر من 40 كيلو متراً، الأمر الذي يُحفز الأطفال على القفز تارة وضرب بعضهم أخرى وكأنهم يتحققوا من الواقع!.
التفاصيل تلك عن عائلة نهاد تنطبق على حال كثير من أسر هذا البلد (سورية)، حيث جعلت مصدر رزقها مرهون بتلك الآلية، لتعيش على الأمل يوماً وتحدي الواقع في آخر.
الطرطيرة وسيلة نقل تصنع يدوياً بعيداً عن أي مواصفات قياسية عالمية أو محلية، يبدأ العمل عليها عندما يطلب الزبون واحدة منها، حيث تشتري الورشة (المتخصصة بذلك) الحديد لتصنع منه صندوقاً ومكاناً آخر مخصصاً لوضع المحرك، ثم تجمعهما إلى بعض لتشكل في الناتج آلية غريبة الشكل تسير على ثلاثة عجلات، وتزن في الغالب بين 700 -900 ك/غ، ومن أنواعها المسمى (بريتا- فيسبا- عبودية- سوزكي…)، كذلك منها ما يسير بسرعة تصل إلى 120 ك/س غير آخذة بسنن السلامة العامة؛ فلا حزام أمان ولا مطفأة حريق ولا إنارة جيدة توحي بحجمها…! لنراها بعد ذلك تزين كل ريف بصوتها الساخر، لا بل غالباً ما نشاهدها تزاحم السيارات الفارهة وسط العاصمة، لتحكي بذلك قصة السلامة من عدمها ورواية مواطن يشارك سائقها هموم العيش ومخاطر ركوبها، مواسياً نفسه بما كتب عليها من عبارات ك:(إذا كان الرزق على رب العبادِ فلا تحزن يا فؤادِ- واثق الخطى أمشي ملكاً- يا جبل ما يهزك ريح…) أو بالمسجلة التي تطلق نغمها في الجو مباشرة تطربه حيناً وتهون عليه آخر.
السؤال: هل سيغدو يوماً لأصحاب الطرطيرات نادٍ على غرار أصحاب السيارات القديمة في بعض الدول؟ أم نساعدهم على حفظ حياتهم المعرضة للخطر كلما أداروا محركها ذو النبرة المستهزئة؟ أليس أسطول سيارات منظم وحضاري للحكومة يعمل مالكي الطراطير سائقين لحسابه يُشكل حلاً إنسانياً لنهاد ونظرائه! لكن، متى يكون لنهاد ذلك وقد أصيب بمرض (الدسك) وفقد إحدى أصابعه في محاولة فاشلة منه لإصلاح جنزير الطرطيرة.
محمد كناص

حتى نكون!
حصص ست أو خمس في اليوم ولمدة 40 دقيقة للواحدة هي برنامج طلبتنا في المدرسة، بدءاً بالتعليم الأساسي وحتى التعليم الثانوي، والالتحاق بها يبدأ مع الساعة السابعة والنصف صباحاً وينتهي في العموم بعد الظهيرة بقليل.
يُمضي الطالب الساعات الستة تلك في الاستماع إلى المدرس وكأنه مخلوق بأذنين فقط، فلا يتكلم ولا يشارك ولا يمارس أي نشاط آخر إلا بإشارة من المعلم، وحاله في ذلك أفضل بقليل من المجند العسكري في الاجتماع الصباحي.
في الاستراحة (الفرصة) يخرج هؤلاء المجندون عفواً الطلاب إلى الباحة ليشتروا من دكانة الآذن بعضاً من البسكويت أو الكعك؛ كي يعينوا أنفسهم على إكمال الجدول اليومي، ثم يعودوا إلى صفوفهم لتبدأ عملية الصمت والاستماع من جديد حتى الانصراف إلى البيت وهم خائري القوى وضعيفي المفاصل والذهن؛ لأن الرياضة بلعبتيها كرة القدم والسلة دون الأنواع الأخرى، والرسم والتلوين دون الفنون الباقية هي مناسبات أسبوعية في جدول طلابنا ولمدة لا تزيد عن الساعة!.
الجدول المقيت ذلك وغير الصحي لطلبتنا في المدارس هي ما يشوه أفكارهم وأحلامهم بدلاً من بنائها، ويزيد الطين بِلة غياب الجو الملائم في بيوت معظم الطلبة لممارسة هواياتهم أو العمل على مهاراتهم؛ إما لفقر الحال أو لغياب المربي الصحيح والمرشد الواعي الذي يكون بمثابة المعلم في المدرسة!.
إن الصورة المصغرة السابقة بكل سلبياتها يمكن حلها ببساطة شديدة؛ وذلك عن طريق إعادة هيكلة المؤسسات التعليمية لدينا بحيث تغدو أقرب إلى نظيراتها في دول مثل (كوبا) ولن أقول في (اليابان)! إذ تكفلت الدولة الاشتراكية هناك بتخصيص 12% من دخلها القومي للتعليم، فبنت مدارس غاية في البساطة مع الانتباه لأشد التفصيلات التي تخدم العملية التعليمية؛ إذ يذهب الطالب لديهم إلى المدرسة من الساعة الثامنة صباحاً ويعود في الرابعة عصراً ودون أن يشعر بتعب أو ملل؛ لأن التلميذ يأكل ويشرب في مدرسته، ويأخذ قيلولة فيها، ويمارس اللعبة الرياضية التي يريد والمجال الفني الذي يرغبه ضمنها، ويحضر واجباته ودروسه في مكتباتها، ومن ثم يعود إلى البيت وقد أمضى يوماً مليئاً بالنشاط والتجدد، ليرى لساعات قليلة أهله وينصرف بعدها للنوم وهكذا دواليك!.
إن الكلام الذي قلته ليس إبداعاً وهو ليس بغريب على الطلاب في هذا البلد من الأسر الغنية، التي تسجل أبناءها في مدارس خاصة توفر الجو السابق؛ لكن نحن نريد ذلك للجميع فالبلد يحتاج المبدع الغني والمبدع الفقير، والوطن في انتظار الخدمات من خريجي المدارس الحكومية وليس الخاصة، والمجتمع لا وقت لديه لانتظار خروج الطفرات من تلك المدارس الضعيفة أو أن تشفق عليه المدارس الخاصة بخدمات بعض أبنائها؛ فالعبارة التي دفعت المجتمع الكوبي للقضاء على الأمية في عام 1961 ووضعه في مصاف الدول المتقدمة تقول: “أعطني كتاباً ومصباحاً زيتياً أعطيك جيلاً متعلماً” حكومتنا أعطت طلابها كتاباً لكن هل أعطتهم مصباحاً!.
محمد كناص

هذا ما تصنعه مناهجنا!
خط الإنتاج في أي مصنع يعني أنه لا ينتج سوى سلعة واحدة حتى لو تنوعت مواد الخام الملقمة له. لو فرضنا أن لدينا خط إنتاج للحديد هذا يعني أننا لن ننتج سوى الحديد؛ بالرغم من أن الفلزات التي نضعها في ذلك الخط فيها العشرات من الخامات والمعادن الأخرى!.
إن قانون “الخط الإنتاجي” هو نفسه ما يحكم العملية التعليمية لدينا في هذا البلد؛ إذ يدخل الطلاب في سن السادسة إلى المدرسة (المواد الخام) وهم مختلفون إلى درجة كبيرة في القدرات والمهارات والإمكانيات (فمنهم ما يشكل خامة جيدة لفيلسوف حكيم، ومنهم ما يشكل فلزة طيبة لشاعر مفوه، ومنهم ما يشكل مادة أولية لمفكر متقد الذكاء…)، لكن ما نفعله نحن خلال عمليتنا التعليمية هو إخضاع جميع تلك القدرات (الفلزات) لخط إنتاج واحد دون مراعاة لتلك الفوارق؛ الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تخريج –وتحت الإكراه- جيوشاً من الطلاب المتشابهين في المعرفة والمعلومات، بناء على تلك المقررات (خط الإنتاج).
العملية السابقة هي التي تجعل معدة المجتمع تتعفن من هضم قدرات الخريجين الجامعيين من نوع واحد، وهي ما تجعل من له مهارات أعلى من تلك المقررات أن يصاب بالإحباط والملل، وهي التي تدفع بمن لم يجد ذاته فيها إلى التسرب من المدرسة… والمشاكل الناتجة عنها تطول ولا تحصى!.
اتباع نظام المقررات المقدسة والتي لا تراعي الفروق الفردية ستقود ولا بد إلى الفشل في العملية التعليمية؛ حتى لو كانت ذات مستوى عالي أو تتضمن تدريس لغات العالم!.
وإذا لم تترك نظرية القوالب الجامدة والكتب ذات المقاس العام والمركزية في التعليم؛ لن يحصل المجتمع على المهارات والقدرات التي تخدمه وترقى به، فوجود المجالس التعليمية المحلية في اليابان -والتي تعيين من قبل رئيس المقاطعة (المحافظ) وأعضاء مكتبه المنتخبين من الناس- ساهم إلى حد بعيد في خدمة المجتمع الياباني وتنوع قدراته، إذ يقرر هؤلاء ما يلائم مقاطعتهم من الكتب والمقررات وما لا يناسبها، أيضاً يحددون ويدخلون ما يفيد تلك المقاطعة من المناهج والموضوعات، وهذا نفسه يفسر وجود جامعات عندهم مثل جامعة “طوكيو” تشتهر بتخريج رجال الوظائف البيروقراطية العليا، وجامعة “واسيدا” التي تعرف بتخريج السياسيين والصحفيين، وجامعة “كييو” التي عادة ما يتخرج منها رجال الأعمال والتنفيذيين!.
إن الغاية من العملية التعليمية هو الكشف عن القدرات وتنميها، ومساعدة كل طالب على إيجاد ذاته ضمن الحلقة الاجتماعية؛ لكي يغدو لدينا المبدع الذي يأخذنا لملامسة القمر، والفيلسوف الذي يدعونا للعيش بمدينته الفاضلة! وإلا ستفرح حكومتنا بعد مقرراتها الجديدة بجيل من الحفظة والعقول المشوه.
محمد كناص

هل سنغدو مثلهم؟
الأسوار عالية كأسوار الإصلاحية أو الأخلاقية، والأبواب ثقيلة وحديدية بألوان سوداء كأن البوم أو أحد مجرمي الحرب وراءها، والجدران كمداء وصماء بألوان اعتركت طويلاً مع الزمن؛ فقررت في النهاية عقد هدنة معه على أن تحتفظ بتواقيع العشاق عليها، وآثار أحذية الأشخاص الذين مروا من هناك، والحمامات تشكل صفحات صفراء لأكثر الشتائم جرأة وفوهة لأقوى الروائح فتكاً، أما المقاعد فهي أكثر راحة من أي كرسي حجري، بل إنها أعطت للجميع فرصة أن ينقش على وجهها ما يشاء من أسماء وذكريات، والأناس هناك والذين يعدون بالمئات يعتمدون بأجمعهم على شخص واحد أو اثنين في تنظيف مخلفاتهم، أو ترميم وإصلاح الكثير من إفساداتهم، وتجدهم يبدأون بخلع شيء من ملابس بمجرد خروجهم من تلك الجغرافية الكئيبة، وكأن الحرية عادت إليهم من جديد!.
الوصف السابق كتبته بعد استجماع لقواي البصرية، وضبط نفسي على ذكر المعقول، وإن ما قلته لا يتعلق بسجن زرته أو معتقل شاهدته في أحد الأفلام، لا أبداً، بل أتحدث عن الواجهة البصرية والحالة الفيزيائية للمدارس في هذا البلد، وعن تصرف الطلاب فيها وسلوكهم بعد الخروج منها، ومن أراد أن يشكك في ذلك أو يصفه بالكذب أو المبالغة؛ فسيكون دافعه في ذلك أمران، أولهما: إما لكونه أمياً ولم يدرس في تلك المؤسسات، وثانيهما: أن يكون قد درس في اليابان مثلاً فظن أن المدارس في كل أنحاء العالم متشابهة!.
فالمدارس في اليابان أقل ما يقال عنها إنها جميلة ونظيفة؛ وعن طلابها إنهم مثابرون ومبادرون، فالتلاميذ هناك يدخلون المدرسة بحذاء رياضي مصنوع من القماش عليه اسم صاحبه ومرتب في مدخل المدرسة على رف خشبي، ويخرجون منها بآخر.
والمدارس في اليابان مزدانة بالألوان الجميلة والصور الموزعة على الجدران بتناسق ودقة، وهو ما نفتقده نحن في مؤسساتنا التعليمية ويبرر بنفس الوقت رسوم وخربشات الطلاب على الجدران بحثاً عما هو جميل.
كما يوجد في مدارس اليابان مطبخ مركزي يعد فيه الطلاب وجباتهم بأنفسهم وباستشارة أطباء في التغذية ومتخصصين، وهو ما يوفر بآن واحد تكاليف العمال على الحكومة؛ وهذا بخلاف ما لدينا من مفهوم “المقصف” أو “الدكان” المسؤولة عن تغذية الطلاب لمدة 6 ساعات يومياً بأطعمة أكثر صحية من وجبات السجون!.
كذلك المدارس في اليابان تغرس في طلابها ثقافة العمل التطوعي والصحة البيئية والوقائية من خلال مرافقتهم إلى حديقة المدرسة لإطعام الحيوانات، وكنس أوراق الشجر المتساقط وتقليم الأغصان الخضراء، التي لا نراها في مدارسنا إلا في غرفة المدرسات وحوض السمك في غرفة االمُستخدم (الآذن)!.
المدارس في اليابان توفر لطلابها ملاعباً على اختلاف الأنشطة، وساحات لمختلف الرياضات، وهو ما يفتقده طلابنا الذين يتحينون الفرصة للانصراف من المدرسة واللعب بكرة القدم في أقرب مدخل بناء أو شارع واسع!.
الحديث عن مدارس اليابان أخذنا عن إكمال وصف حال مدارسنا وأوضاع طلبتنا، الذين لا يذكرون أبداً عند مقارنة قدرات الطلاب في المدارس العالمية بناء على ما تقدمه لهم؛ فبحسب إحدى الدراسات أن الطالب الياباني في الثالثة عشرة من عمره يعرف أكثر من الطالب الأمريكي في الخامسة عشرة من عمره!.
محمد كناص

مازالت عيدانها تضيء
لم يكن في حساب الرئيس حسني مبارك حينما زار قناة الجزيرة في التسعينات وأثنى عليها؛ أنها ستكون الفضائية التي ستقض مضجعه، وأنها البوق الوحيد الذي سيكشف بلطجيات وجرائم حكمه.
فقد علق حينها السيد مبارك قائلاً: “كل هذه الضجة من علبة كبريت!” حيث كانت المحطة تبث من طابقين صغيرين، ومن استديوهات أظن أن الجميع يذكرها على بدائيتها، وبساطة أزياء المقدمين فيها!.
على ما يبدو أن السيد مبارك أحسن عندما وصف الجزيرة بـ “علبة كبريت”؛ فقد أشعلت تلك الفضائية بعضاً من عيدانها في 25 من يناير لتضيء للعرب والمصريين عن ثورة شعبية حقيقية، ولتوضح حقائق ووقائع كانت قد ابتلعتها ظلمة الإعلام الرسمي العربي والمصري! الأمر الذي دفع إدارة القمر الصناعي، التي تسيطر عليها عناصر أمن مبارك إلى توقيفها والتشويش عليها، كذلك إلى إبداء عمر سليمان نائب الرئيس انزعاجه منها في أول خطاب رسمي له.
الحديث عن دور فضائية الجزيرة يدعمه ما رفعه المتظاهرون من شعارات مثل: “الإعلام المصري كاذب والجزيرة قلب المتظاهرين النابض…”، كذلك الشاشات الضخمة التي نصبوها في ميدان التحرير ليشاهدوا تلك المحطة!.
لقد توقفت قناة الجزيرة منذ أول لحظة لانطلاق الثورة عن بث أي إعلان تجاري وانشغلت بتغطية مطالب الثوار في ميدان التحرير، كما أنها لاحقت ردود أفعال السلطة وعنفها ضد المتظاهرين لدى كل هتاف أو تحرك.
وتميزت في تغطية ما تلتقطه عدسات الناشطين على الشبكات الاجتماعية، وخصصت لهم وللناس صفحة على موقعها لتبث ما تقع عليه كاميراتهم في الشارع خلال الثورة، ومنها الفيديو الذي يصور السيارة الدبلوماسية وعربة الأمن اللتين دهستا المتظاهرين.
علبة الكبريت تلك كانت قد أشعلت عوداً آخر من محفظتها لتفضح عُهر النخاسين من أصحاب الفضائيات العربية، التي كانت مشغولة بتغطية سباقات الخيل والهجن، والترويج لمراهم الشد والنفخ والنتف، وبث أغاني اللحوم العارية، والأفلام الوثائقية عن البطريق والمحيطات السبعة…! في الوقت الذي انشغل فيه شعب عربي باستعادة حريته، وطرد ديكتاتور طالما أذل أبناءه وهتك عذرية الرابط بين أفراد جمعهم العرق والدم والدين والتاريخ.
أعواد الثقاب ما تزال متوفرة في تلك العلبة، وكأن لسان حالها يبعث برسالة لكل دكتاتور عربي أن يبدأ بتوضيب بيته وعلبة أسراره؛ قبل يأتي ضوء الجزيرة من بين يديه ومن خلفه؛ سيما وقد أصبح إطفاء نورها على الترددات الفضائية ضرباً من الخيال!
محمد كناص

سهرة عيد الحب
عتب علي أحد الأصدقاء أني أبالغ في الوصف وأبحر كثيراً في فنون الإنشاء والتشبيه، لكني تفاجأت بالأمس بالحقيقة وعرفت كم كان صديقي مخطئاً؛ فما رأيته مؤخراً من إعلان عن حفلة أنس ما يُسمى بـ “عيد الحب” جفف منابع التصوير في مخيلتي، وجعلني أعجز عن نقل ما شاهدته لمن لم يرى!.
فقد أعلن ذلك الملصق عن حفلة ظهر فيها المغني وهو مُهدل الجفنين ومطبق بالأسنان على الشفتين، وأرخى أزرار قميصه إلى ما قبل السرة، وأرسل يديه وساعديه جانباً في انتظار من يجمعهما، ومن خلفه برز ساق وحذاء امرأة، أوضح الإعلان أنهما للنجمة! التي سترقص في ذلك الحفل!.
ما أود قوله: إذا كان ذلك هو الإعلان فكيف بالحفلة على أرض الواقع؟! وإذا كان ذلك حال المغني لأجل ساق وحذاء فكيف سيكون شأنه بما هو فوق الساق وحول الخصر؟! وإذا كانت الراقصة هي نجمة فماذا بقي من معنى النجومية والتألق؟! وإذا كانت تلك سهرة أنس فماذا بقي لحفلات العُهر والعربدة؟!.
إن تسرب القيم الفاضلة مثل: (النجومية، وأنس…) إلى تلك الزوايا والإعلانات القذرة بالمجان؛ لا شك يضر بالمنظومة الأخلاقية لدى شبابنا. فماذا لو رأى ذلك الإعلان ابن أو ابنة لنا مازالا غضي العود؛ ألا يستسهلوا حينها طريق النجومية والتألق ويصبح لدينا من حفلات الأنس في السنة فقط 365 سهرة!.
كفى استهانة بالأفعال القبيحة؛ فليس ذلك تحرراً أو مواكبة للعصر أو فرحاً بطريقة إنسانية؛ إنما سقوط بالمناسبة والشعور البشري فمن أراد الجنس المعلن فليذهب ليعيش في مملكة الحيوان، ومن أراد أن يفرح فمرحباً به نظيفاً دون استعراض لقدراته البهيمية!.
أنا أدعوا إلى الفرح بطريقة تحترم الأخلاق العامة وذوق الناس وعقولهم التي نحن بحاجة لها؛ فلدينا وراء الجبل نساء ورجال يفرحون لاحتلالهم أرضاً لنا لم يرثوها عن أب أو أم!.
محمد كناص