سقف بيتي المهدوم أعلى من كرامتكم المهدورة!

عائلة أبو نزار

عائلة أبو نزار

في يوم عادي يشبه سابقه من عمر مأساة الشعب السوري، استيقظ أبو حسن التركي الذي لا يبعد بيته سوى أمتار عن مخيم أطمة الحدودي على دخول عائلة سورية إلى حرم منزله غير المسور، وترجمان تلك الأسرة وسيدها رجل اسمه أبو نزار ومعه من النساء أربع، زوجته وبناته وأطفال، حيث خاطب لحظة دخوله أبا حسن بعبارة اقتبسها من ثقافته العشائرية “نحن مصيبتك… قصف منزلنا وما عاد لدينا مأوى”.

فقر أبو حسن لا يحتاج لترجمان، فأرضه واسعة لكنها من دون سقف، أولاده وزوجته في ركن وبقراته في آخر، وبينهما ساحة احتلتها دجاجات وخرفان يختلط مرعاهن بألعاب أبناء أبي حسن.

حلول تلك العائلة على أبي حسن دون سابق إنذار لم يكن يوماً في خريطة حسبانه، ولكن، لم يكن أبداً ليبدر منه أن يرد هؤلاء البشر أو يرشدهم إلى المخيم الذي يبعد عن منزله مرمى مصيبة شعب!. فسبقت نخوته كلمته، وكرمه كبر فقره، فقال لهم حللتم أرضاً طيبة تحت سماء رب كريم…

تقول الدراسات إن البعوض يشتم رائحة تعرق الإنسان من مسافة 64 كم!… كذلك فقر أبي حسن التركي حيث كان يشتم رائحة أي ليرة تزيد عن حاجته من مسير شهر؛ فيأتي ليلتهمها في كل مرة بمناسبة تختلف عن الأخرى؛ لذا كان أقصى ما يمكن أن يقدمه أبو حسن في ساعتها لتلك العائلة السورية هو أن يخرج بقراته من الحظيرة؛ ليضع محلها هؤلاء البشر!… الذين سروا بكرمه، ووافقوا من فورهم على دخولها والعيش فيها، فهم أناس بسطاء اتخذوا من كلام باولو كويلهو شعاراً لهم عندما قال: “توقف عن التفكير في الحياة وعشها”…

لشهور مضت وجمع من البشر يقطن حظيرة حيوانات! حيث السقف الذي يقطر ماء المطر، والأرضية التي اختلطت بروث البقر…

أيام طويلة عاشتها تلك الأسرة السورية في مواجهة حلف مهلك، قوامه البرد والرطوبة ولسع الحشرات!…

فترة من الزمن عاش أبو حسن والعائلة السورية جيراناً مع الخرفان والبقر، يقتسمون بساطتهم وبؤسهم، يسخرون من فقرهم بشتم سوء حال الناس في المخيم؛ حيث يراقبون صحبة الموت لجمع من البشر سكنوا بين أشجار الزيتون وتحت حرم المدافع!…

 أبو نزار يمضي أيامه في السعي لتحصيل لقمة يضعها في جوف أسرته، فلا سبيل للجلوس في بلد عملته أوربية، وأسعاره أوربية، وحيث الخبز يباع بالرغيف، والخضرة تشرى بالحبة…

أبو نزار لا يجد ضيراً من عيشه في إسطبل حيوانات، إذ يفضله على العيش في مخيم حيث يأتيه طعامه من المساعدات، وهو القائل لغيره وبتكرار: حر بنفسي ولا يعيبني سكنى كهذه، العار على نظام يقتل شعبه والعالم يقف متفرجاً، لسان حاله في ذلك قصة تنقل عن قائد سيق إلى مشنقته فسأله جلادوه عندما قدموه إلى منصة الإعدام ماذا تقول قبل أن تموت؛ قال كفى فخراً أن أموت وقدماي فوق رؤوسكم، كذا أبو نزار الذي هدم بيته بالقصف يقول لظالميه كفى أن يكون سقف بيتي المهدوم فوق كرامتكم المهدورة…

محمد كناص

By muhamad kannass

النظام بين الخطيئة والإجرام

عناصر من قوات الأسد

عناصر من قوات الأسد

في ريف حلب حيث تلك القرية المحاطة بالحواجز العسكرية لا تسجل قضايا الموت والقتل ضد مجهول، ولا ترمى سندات الادعاء في سجلات النسيان لعنكبوت الزمن؛ فسكان تلك المنطقة يعرفون غريمهم، ويعرفون عنوان منزله ومن هم أفراد أسرته…

في تلك البلدة الحلبية دوماً ينسب التخطيط والتنفيذ لأي عملية اختطاف للمدعو “ج ح ق”، وعمليات إراقة الدماء ثم التمثيل بالجثث لضابط تلك النقطة العسكرية الأكبر، والتي تغلق إحدى مداخل المدينة!…

في تلك البقعة الجغرافية صدف أن يكون منزل المدعو “ج ح ق” بالقرب من نقطة عسكرية وضعها النظام مع بداية الثورة في أحد منافذ المدينة؛ فكانت جيرة نجم عنها اتفاقية تمتع بموجبها “ج ح ق” بالسيادة الاسمية على شرفه وزوجته، وبالشراكة الحقيقية مع الضابط في كل عمليات الإجرام بحق المدنيين في تلك المنطقة!…

المدعو “ج ح ق” اعتزل مهنته مع بداية الثورة وبدأ التشبيح كحرفة جديدة؛ حيث تمرس على خطف أي شخص يطلبه النظام، ثم يسلمه للجيش بعد أن يكون حصل من أهله على مبلغ من المال على أمل أن يعيده إليهم! وهكذا تكون الخسارة مضاعفة لأي أسرة يُختطف ولدها!…

الأمر تطور بالمدعو “ج ح ق” أو أن خدماته لم تعد كافية لضابط تلك النقطة العسكرية؛ حيث تتالت اتفاقيات الذل غير المكتوبة بينهم؛ إذ بدأ بالتنازل عن مياه شرفه الإقليمية عندما جعل غرفة من منزله مأوى لذاك الضابط!… فباتت حكاية بيت تخفي أبوابه رجولة تتستر وراء عفة الزوجة، وتنطق أحجاره عن قصة رذيلة يمشي بأدوارها الزوج، ويدلل عليها في سوق الخسة العسكرية…

ضجت القرية بسيرة تلك العائلة!…وتنادى جمع من شبابها على غسل العار بإراقة دم ذاك المجرم؛ فباءت محاولتهم بالفشل؛ وعادت عليهم بالموت المعلب بالبراميل المتفجرة الملقاة من الجو؛ وذلك بعدما استخدمت تلك الزوجة دلالها عند الضابط، الذي بدوره استجلب الطيران لقمع هجوم العصابات المسلحة!…

أصبح الموت في تلك القرية طلعة جوية بعدما كان يلبس ثياب الاختطاف؛ وبات ثمن كل غارة على تلك القرية هو جلسة غرامية مع الزوجة “حلا”!… حيث تزهق نفس بشرية مع كل قطعة قماش أنثوية ترمى على سرير ضابط تلك النقطة العسكرية، وحيث الطائرات يلتهب الكورسين في محركاتها كلما اشتعل الموقف بالقبلات، وتكثر القبور كلما كشفت السيقان عن نواياها…

الموت في تلك القرية اُختصر بعبارة كان يرددها المدعو “ج ح ق” بأنه “قادر على جلب الطائرات في أي وقت يشاء للبلدة!”… وذلك أحد بنود اتفاقية الذل المشترك بين الرتبة والشهوة…

ما عاد الضابط بحاجة إلى أن يتجسس الناس على ما تقوله خطواته كلما اتجه إلى بيت المدعو “ج ح ق” بل الزوجة “حلا” تأتيه إلى حجره؛ حيث يجلس الزوج بعيداً متمترساً خلف ذله! يرقب الذئاب تدمي شرفه وعرضه، وأحياناً يشيح عينيه عن جغرافية الجريمة من واقع أن ما لا نراه لا نغضب له، وحتى يحلل نفسه من عناء عدم انتفاضه لخيانة زوجية يحضر أحداثها بنفسه…

يشرب سيكارته في وقت بدل الشرف الضائع، ثم يعود بزوجته إلى البيت مطمئناً منها على حال جيش لا يخفى عليه وعن وطن تم مقايضته بفرج يقطر الموت والدمار لسكان ذاك الريف…

في ذاك البيت التحفت الخطيئة بالدانتيل الوطني وتركت عيونها بارزة من قناع المقاومة؛ مفصحة عن شهوة تحت قوة إغراء الرتب العسكرية، وبحجة الواجب الوطني في مواجهة العصابات المسلحة…

الخطيئة إذا نخرت عائلة فإنها نخرت نظاماً قبلها، فلا نعرف كم هم الضباط أمثاله الذين أداروا الطلعات الجوية من على الفراش النسوية، ولا نعرف كم عدد الضباط الذين غادروا رتبهم العسكرية إلى ألقاب حيوانية؛ فذاك الضابط لم يسبق سيده الذي ترك لقب “الأسد” إلى لقب “البطة” وهو من قتل الناس إذلالاً أمام صوره، وهو من صدر للعالم بدعة البراميل المتفجرة، والفرق الوحيد أن فراش الأسد كانت البيئة الرقمية في حين ذاك الضابط لا زال يعربد قتلاً في تلك القرية الحلبية.

من ملفات هيئة أمن الثورة في حلب وريقها

محمد كناص

By muhamad kannass

ميراث طفل سوري!

محمد أثناء بيعه الكعك في ساحة البلدية

محمد أثناء بيعه الكعك في ساحة البلدية

طلب إلي مدير التحرير أن أحمل كاميرتي وأخرج إلى شوارع مدينة الريحانية التركية لأعود له بقصة عائلة سورية تترك أثراً كأثر البراميل المتفجرة التي تلقيها طائرات الأسد!.

الوقت كان منتصف اليوم والجوع والتعب قد أشهرا سيفاهما، فتقاويت وحملت كاميرتي ورميتها على كتفي فبدت كجثة تعفنت عدستها من صور المعاناة وحكايا القهر في المخيمات!.

بحكم عملي في الإغاثة؛ كنت أختزن في ذاكرتي الكثير من القصص السورية التي تعتقت تحت ركام القصف؛ إلا أن معدتي كانت تبعثر بصوتها كل حكاية تحضرني وتضييع علي تفاصيلها! لذا قررت أن أنزل كاميرتي عن كتفي وأملأ جوفي ثم أنطلق إلى أخوتي السوريين فقصصهم لن تمل انتظار عدسات الصحفيين!.

لم أجلس وحيداً في المطعم بل وجدت نفسي شريكاً على طاولة كان وصلها للتو أصدقاء لي في العمل الإغاثي سابقاً! فأخذت مكاني صامتاً بعد تحية وجدت صعوبة في إسماعها لهم…

حضر الطعام؛ فوجدتني كوحش أغتصب حرمة الصحون واحداً بعد آخر وأرميها جثة عارية؛ ثم أخفيت آثار الجريمة على فمي بمنديل، وجلست كسيحاً أراقب أرض المعركة من على كرسيي مستشعراً لذة الشبع…

بعدما هدأ الدم في عروقي أخبرت زميلي عن رغبتي بكتابة قصة مؤثرة لإحدى العوائل السورية، وسألته إن كان يحضره شيء بحكم عمله!…

اصطحبني صديقي بسيارته إلى أن توقفنا على باب في أحد شوارع المدينة؛ فقرعه مرتين ونادى شخصاً اسمه فواز ثم تركني لبقية المشهد!…

يروي التاريخ قصّة وفاء “الليدي رالي”، التي طلبت أن تُعطــى رأس زوجها بعد أن أمر الملك جيمس الأوّل بقطعه بتهمة مُوالاته لملك إسبانيا، فكانت تحمله مُحنّطاً حيث ذهبت، ودام ذلك 29 سنة! وقد سار ابنها على نهجها، وظلّ هو أيضاً محتفظاً بميراث والدته (رأس والده)، حتى وافته المنيّة فدُفن معه!.

لم يكن في ذلك المنزل ميراث كتلك الرأس المقطوعة! إنما جراح وإعاقة متواترة وجماعية لعائلة بكاملها أورثتها الأم لطفلها أيضاً كي يحملها بقية حياته فكان في بذله وفياً كابن الليدي رالي!…

كانت العائلة بأفرادها الثمانية أكفاء (عميان) بمن فيهم الأب، إلا محمد الابن الخامس ترك الله النور في عينيه! فكان شقاؤه لا يخف وطأة عن إخوته وأبيه؛ إذ جعل على عائقه الوفاء لهؤلاء الأكفاء وتولي ميراث والدته التي حملتهم دهراً، ثم تركتهم بعدما تمزقت جثتها بإحدى البراميل المتفجرة التي هدمت بيتهم في ريف محافظة إدلب.

محمد يحمل ميراث والدته منذ الشهر التاسع العام الماضي!… يبيع كعكاً ودخاناً في أسواق المدينة؛ فيجني رزقه بلسان عربي في بلد أعجمي، يخرج من الصباح الباكر هائماً على وجهه، تبرق عيناه ببراءة الطفولة وهما من جنتا على حياته ومستقبله؛ فلا مدرسة ولا أصدقاء ولا حي يجمعه مع نظرائه، ينفق أيامه في هم لا يعرف حدوده ولا كيف تورط فيه…

محمد ابن إدلب تخاف أرصفة المدينة أن تؤذي قدميه في حذائه المهترئ، يمشي غني بهمه، ثروته الاستعفاف عن طلب مساعدة الناس، يخفي تحت كل قطعة كعك حكاية براءة جرمها النظام بتهمة الحرية، يصدح بصوته الطفولي كلمة “كعك… كعك…” عله يحرك شهوة الجوع في بطون السامعين؛ ثم يصمت تعباً أو إدراكاً منه أن لغته غير مفهومة!.

محمد في سنته العاشرة ويذكر جيداً كيف خطف الموت والدته؛ فيقول جاءت الطائرة من فوق منزلنا وفجأة سمعنا صوتاً قوياً ولم نعد نرى بعدها شيئاً من كثرة الغبار، فخرجت بعد برهة تائهاً لا أعرف حينها كيف وصلت لساحة المنزل الخارجية؛ فوجدت أمي على الأرض والدم يخرج من أنفها ورأسها! فناديت والدي ليأتي ويساعدها لكنه لم يستطع بسبب العمى في عينيه، فطلبت مساعدة الجيران فأتى أحد الشباب من الحي، ولم أعرف بعدها لماذا ترك والدتي ولم يساعدها وراح يهدئ والدي الذي بدأ بالبكاء!.

يأتي المساء على محمد في ساحة البلدية في مدينة الريحانية التركية؛ فيلملم غطاء سلته على ما تبقى لديه من بضاعة ويعود أدراجه إلى المنزل؛ ليضع في فم أخوته ما تعب به جناحاه حتى جناه، تاركاً لنفسه بقايا تعب يتلحفه في نوم قد تبدو أحلامه حول ما سيحرمه محمد من طفولة ابتداءً من صباح اليوم التالي.

محمد كناص

By muhamad kannass

عشاقنا وعشاقهم!

الفيسبوك ثورة عشاقهم

الفيسبوك ثورة عشاقهم

ليس من عادتي أن أتنزه في الأماكن الصاخبة ولست ممن يهوون الأماكن المزدحمة؛ فغالباً ما أقضي مشواري في الحديقة المجاورة لمنزلي الكائن في منطقة يغلب الظن عليها أنها محافظة.

لدى أمسية، وعند الساعة العاشرة مساءً أردت أن أتنسم هواءً نظيفاً؛ كي استعيد همتي على الدراسة فخرجت وبصحبتي علبة من العصير، فأخذت مكاني على كرسي قليل الحظ من الإنارة، وكان ذلك مما يزيد سروري خصوصاً لدى اقترابي من الطبيعة! إلا أن صفو الجلسة تلك كان من يريد أن يعكرها! إذ أني تفاجأت باثنين من العشاق أرادوا أن يقاسموني تلك اللذة، ومما زادني دهشة هو وقاحتهم الغريبة فقد رأوني ورأيتهم ومع ذلك أخذوا مكاناً لهم ليس بعيداً عني، وجلسوا مقتربين من بعضمها بعضاً وكأن الحديقة ضاقت حتى لم يعد فيها سوى ذاك المتر المربع الذي يتسع لشخصين!.

لم أرغب حينها بإفساد مشواري فبقيت جالساً في مكاني متجاهلاً ذاك السلوك وتلك الحميمية من شخصين على ما يبدو أخطأا عنوان ومكان العشق والغرام، لكن، أن تجلس في مكان عام وتجعل بصرك في الأرض من تحتك كان قمة في الحمق، وفكرة غبية!.

 فذاك الذكر وتلك الأنثى! كانا يدفعاني أكثر للحياء بسبب الحالة التي دخلاها من حميمية؛ فما كان مني إلا أن ذكرتهم بوجودي من خلال سعلة مفتعلة، لكن دون جدوى، بل كانا يتحديا ذلك بمزيد من اللمسات!.

لملمت نفسي وعزمت على جعل هذين العاشقين يحترما المكان ويذهبا إلى آخر أكثر حشمة، وحينها ليفعلوا ما أرادوا بعيداً عن مرأى الناس؛ لكني تفاجأت بأن رجولتي تم الاستغناء عنها؛ فقد رحلت تلك العاشقة فجأة وتركت ذاك (الدونجوان) وحيداً على كرسيه، مخلفة وراءها مشهداً حزيناً وحالة صعبة لذاك الولهان!.

الأمر ذاك جعلني مسروراً! ليس تشفياً بذاك الشاب الحزين، “لا” ولكن، على أمل أخذني بأن يقرر ذاك المُحب شيئاً عظيماً في نفسه يغير به حياته وحياة ملايين البشر انتقاماً مما هو فيه، وذلك تأسياً بذاك العاشق الذي يغيير اختراعه حالياً مساراً تاريخياً لملايين البشر على وجه جغرافية هذا الوطن الكبير.

وإني أتحدث حالياً عن (مارك زوكربيرج) ذاك الشاب في جامعة (هارافارد) الذي كان يعيش حالة غرام وفجأة تخلت عنه محبوبته؛ فأخذته حالة صعبة فترة من الزمن قرر على إثرها أن يبدأ مشروعاً خاصاً يساعده على النسيان وإعادة التوازن لحياته؛ فما كان منه إلا أن أخذه شيطان فكره إلى إنشاء شبكة اجتماعية سماها (فيس بوك)، وهي حالياً عاملاً رئيساً في تنسم نور الحرية لشعوب عربية عاشت حالة غرام تبعها حالة اغتصاب من قبل حكام ديكتاتوريين!.

فأرجوكن يا عاشقات أن تتخلين عن عشاقكن على أمل أن يكون لدينا اختراعات أخرى تأخذنا إلى القمر!.

 محمد كناص

By muhamad kannass

حلم العودة… اقتصاد الثورة

كلمة إنسان

كلما اشتد هتافنا في المظاهرات كانت ردة فعل النظام تشتد! وكلما كان الشعار يتطور نحو التغيير؛ كان النظام يحشد بجيشه ويتمترس بالحواجز! وكلما اتسعت رقعة المظاهرات كانت تضيق مساحة تنقل المتظاهرين بحكم دخول الجيش إلى المدن!… إلى حين ضاق الخناق بالناشطين وزويهم؛ فرحلوا إلى أطراف مدينتهم ليتسللوا إليها بعد ذلك زائرين، ثم يخرجوا!.

الحال تسارعت، المظاهرات غدا لها مخلب تشهره بوجه المعتدين عليها بالرصاص! وتحمي أبناءها المطالبين بالحرية والتغيير! والنظام انفتحت شهيته أكثر للقتل والتدمير.

خرج أهالي جسر الشغور من مدينتهم إلى ظلال الأشجار على الحدود التركية؛ بعدما أصبحت عمليات الفرار المؤقتة أو النزوح إلى مناطق أكثر أمناً غير كافية!.

صعق الناس بما حصل لإخوانهم؛ وطلبوا منهم ألا يبنوا خيامهم هناك فعودتهم ستكون قريبة، والنصر عاجل غير آجل.

اشتد قصف النظام على المدن، وانضم إلى هؤلاء أناس آخرون، وبدأ العدد يتغير على الشاشات مع اتساع الحل العسكري في المدن السورية، ثم بتنا نسمع عن ضرورة حصول مساعدات وخيم تؤوي هؤلاء جميعاً، وعن حاجة للمواد الغذائية والبطانيات بحكم حلول فصل الشتاء!.

الخروج المستمر للاجئين السوريين لم يغير من قناعتهم عن قرب عودتهم، وأن لا بأس أن يتحملوا هذه الأسبوع والأيام القادمة ثم يعودوا! لكن الوقت كان يمضي وشيئاً من حالهم لم يتغير، والانتظار أسكت صوت الأمل بقرب العودة.

احتفل السوريون بعام على مضي ثورتهم، وبتشكيلهم أجساماً سياسية تسمع صوتهم، والشيء الوحيد الذي تغير في حالهم أنهم باتوا ينفقون ساعات الانتظار على “بسطاتهم” التي افتتحوها في المخيمات كي يسكتوا صوت معدتهم الذي أخمد صوت العودة القريبة!.

تُرك السوريون لحتفهم! يعيش منهم من يصله فتات المساعدات الخجولة؛ فأدركوا أنهم وحيدون وما قيل عن عودتهم ليس صحيحاً؛ إنما مهدئات من قائل الكلام حتى لا يتحمل مسؤوليته تجاههم!.

كثير من السوريين اليوم يسعون لرزقهم بسبل شتى في بلدان اللجوء، وبدؤوا يتصرفون كما يتصرف المواطنون أصحاب البلاد، فأسسوا لمصدر رزقهم وعيشهم وحالهم يقول بنية الإقامة الطويلة؛ لشعورهم على ما يبدو بطول أجل الثورة في سورية!.

“أبو عبدو الحمصي” صاحب أشهر بسطة “فلافل” في ساحة بلدية “الريحانية” التركية؛ يقول إنه انشق من الفرقة الرابعة وجاء إلى تركيا، وهو يعمل ليكسب قوت عيشه بعدما طال به الانتظار، ولأنه يريد أن يكسب ماء وجهه، فلا المساعدات تصل ولا الأزمة انتهت حتى يعود لبلده.

يخرج “أبو عبدو” كل يوم الساعة الثامنة صباحاً؛ يعيد البريق لصحون المخلل في بسطته، ويوضب شرائح “البندورة والخيار” كإغراء لشهية الناس… ولا تقفل بسطة “أبو عبدو” قبل أن تطعم السوريين المارين أو المتواجدين في تلك الساحة.

“أبو عبدو” لديه عائلة كما يقول وعليه مسؤوليات، ولو بقي ينتظر ما سيقدم لهم من مساعدات لما استطاعوا أن يبقوا فترة أطول في تركيا بعدما تركوا منزلهم الذي تهدم نتيجة للقصف.

في مدينة “الريحانية” التركية أسماء محلات لسوريين بأسماء عربية؛ تستقبل زبائنها باللهجات السورية المعروفة وتسهل لهم أمورهم، كمحل: “حلويات حلب” و “فلافل تفتناز” ومطعم “الأحرار” وغيرهم…

المراقب لهؤلاء السوريين وهم كثر؛ يعرف أن الثورة كبرت وبدأت تدخل في مرحلة الشيخوخة، وأن السوريين اقتنعوا بمقولة عبد الرحمن عوف عندما هاجر إلى المدينة لسعد بن الربيع “بارك الله في مالك وأهلك، لكن دلني على السوق” لكن قالوها للمجتمع الدولي الذي عجز عن مساعدتهم “لا بارك الله لكم في أموالكم، نحن نذهب إلى السوق”.

محمد كناص- 2013-12-2

By muhamad kannass

مَنْ لعتمتهن!

في ريف محافظة إدلب وعلى طرف زاروب تجمعت فيه مياه الأمطار، وفي ظلمة حدودها جدران أربعة ورطوبة السقف تسمرت ثلاث فتيات على فراش دون حراك، فنور عيونهن الذي انطفأ مع بدء خلقهن ضيق عليهن دنيا قد رحبت؛ فغدت سماؤهن وأرضهن لحاف وفراش في أمتار باردة، فلا حراك لهن إلا ضمن جغرافية تمتد من باب منزلهن الحديدي الذي يحكم إغلاقه على قصصهن ومأساتهن إلى باب غرفتهن الخشبي المهترئ الذي يبوح بما كتمه الأول..

ثلاث فتيات يجمعهن وحدة الرحم ويقاسمن الظلمة عتمتها… لا جليس ولا أنيس لهن سوى أحاديثهن المستهلكة المكرورة… ثلاثة أطياف تتحسس عبور الصمت؛ فلا يعرفن وقتاً ولا يشعرن بتمام دوران الشمس حول الأرض… ثلاث فتيات تكورت أجسادهن في حضن القهر…

الكاميرا تمادت على حرمة حزنهن؛ فاستنفرن وخفن من تسرب بعض وثائق محنتهن؛ فالتحفت إحداهن بحجابها سألت أباها عن الزائر! وأخفت أختها بكفيها وجهاً بريئاً ما رأت عيناه ضوءاً قط! والشقيقة الثالثة دافعت عن قلعة حزنها بدموع لم تستطع لملمتها! بل تكسر صوت بكائها في صدرها وكأنها توجست خيفة أن تعاقبها مصيبتها على خيانتها للسر الذي زرعته في عيناها…

في تلك الغرفة تصبرت أنفاس الفتيات للحظات! فعرف والدهن بخوفهن؛ فأعاد الحياة والطمأنينة لهن بقوله أن الزائر صحفي وليس الجيش النظامي… فجزيرة حزنهن المعزولة عن الحياة لم تشفع لهن عند مرتزقة النظام ولم تعفيهن من إهانات وشتائم كضريبة لحرية لا يعرفن حدودها ولم يخرجن لأجلها…

في شارع كثر فيه اليتامى من أبناء الشهداء جراء قصف قوات النظام للبلدة؛ ضاعت معاناة تلك الفتيات الناعمات!… في ذلك الشارع الذي تزاحمت فيه قصص الموت والقتل انفردت وحيدة حكايتهن دون أن يقرأ أحد كلمة من سطورها!… فلا مساعدة وصلتهن ولا مساعد دق باب زقاقهن من ساعة ارتمى أول شهيد في حيهن!…

من لعتمة تلك الفتيات!… من يدخل لهن بصيص نور إلى فؤادهن ولو بكلمة واحدة!… من يؤنس وحشتهن!… من يدخل جزيرة حزنهن المحاطة بالظلمة وصوت المدافع!… من يضم مأساتهن إلى حكايات اليتم حولهن!… من يتذكرهن وأطفال الشهيد!…

كم أنت غالية أيتها الحرية!… كم أنت قاسية أيتها الثورة!… لم تتركي باباً أو منزلاً في هذا الوطن إلا وأهديته حكاية حزن؛ حتى من كانت أطراف ظلمته تقع عند حدود الشمس…

محمد كناص

By muhamad kannass